
أصبحت عملية التحوّل اجتماعياً وفكرياً وعلميّاً بِفعل التكنولوجيا سريعة بشكل بثّ الذعر في نفوس البعض، وأربك حسابات ومسلّمات البعض الآخر.
بالأمس كانت الحوارات الفكرية التي تدور في فلك جدلية العلم والفلسفة كلها حوارات بين عقول بشرية متضادة في رؤاها، لكنها متشابهة في أدواتها ومقوماتها. بمعنى أن كل تلك العقول استندت في تفكيرها، وبالتالي رؤاها وتحليلاتها، إلى مكتسبات ثقافية راسخة في أعماق الوعي البشري.. مع شيء من العلم والثقافة المكتَسَبة عبر التعليم والقراءة والمخالطة. لكن في ظل التطور السريع والرهيب في حركة تكنولوجيا التواصل والذكاء الإلكتروني والاصطناعي والواقع الافتراضي والواقع المُعزّز، أصبح على المجتمع البشري أن يكون متأهباً لحقبة مختلفة من الجدلية الفكرية والمعرفية سيكون فيها الذكاء الإلكتروني هو الطرف الآخر في مواجهة مُسلّمات العقل البشري. وهو قطعاً – أي الذكاء الإلكتروني – لا يستند إلى مبدأ الثنائية في التحليل ولا يعمل وفقاً لمعايير كالعاطفة أو المشاعر البشرية المعتادة كالتسامح والتغافل مثلاً، وإعطاء الخد الأيمن بعد الأيسر عند الإساءة وغير ذلك مما بحوزة الثقافة البشرية إجمالاً.
الذكاء الإلكتروني يعمل وفقاً لإعدادات لوغاريتمية، تؤمن بلغة الأرقام فقط، ومبدأ “الواحد زائد واحد يساوي اثنين” وبلا أدنى قدر من المساومة.
اليوم يُعلن العالم عن الانتقال من مرحلة الواقع الافتراضي إلى حقبة الواقع المُعزّز، فبينما أتاح الواقع الافتراضي للمُستَخدِم تجربة الدخول في عوالم وهو في غرفته الصغيرة.. والتفاعل من خلال أجهزة خاصة للاندماج أكثر في التجربة، يأتي الواقع المُعزّز أكثر إثارة.. حيث تنتقل المَشاهِد إلى محيط المُستَخدِم بعرض ثنائي أو ثلاثي الأبعاد لِخَلق واقع عرض مُركّب.. بمعنى آخر إذا كان الواقع الافتراضي قد مكّن المُستَخدِم من التواجد في عالم آخر يأتي الواقع المُعزّز ليضع المُستَخدِم في عالمه الحقيقي المتعدد الأبعاد.. مع إضافة شيء من المؤثّرات.
لم يعد مثل هذا الواقع مسألة نظرية.. بل أصبح في عهدة الشركات الضخمة التي بدأت في ترويج سلعتها اليوم وبشكل متسارع جداً.
السؤال الوجيه الذي يقفز إلى الصدارة هنا يتعلق بمدى انعكاس مثل هذا الواقع المُعزّز على التحوّل الاجتماعي والفكري.. مع ما سيعقبه من قفزات في مجال العلم والتكنولوجيا.. أي مدى انعكاسه على حياة البشر.. بيولوجياً وفكرياً.. وثقافياً.. بل وحتى على مستوى العاطفة والمشاعر. هل ستُشكّل مثل هذه القفزات حلقة جديدة من حلقات النظرية الداروينية فيصبح فيها البقاء للأصلح هنا مرتبطاً بمقدرة الجينات على التعامل مع هذا الواقع.. بمعنى هل ستؤدي التكنولوجيا إلى تغيير بيولوجي يَطول الجنس البشري وبشكل يتراجع معه دور بعض الأعضاء في أجسادنا، كما حصل مع الزائدة الدودية وسن العقل.. واللوزتين؟ فاليوم تعاني شريحة كبيرة خاصة من الصغار صعوبة في استخدام الكف للكتابة بعد أن حَل الكمبيوتر محل القلم والورقة.. ولا يعلم أحد بعد أي عضو من الأعضاء سيطوله تأثير التكنولوجيا.
المثير أنه وتحت مثل هذا الزخم الرهيب من التحوّل التكنولوجي الهائل.. وهذه العوالم الافتراضية الشاسعة لا تزال هنالك بعض العقول الرافضة لمثل هذه التحوّلات.. والمُصرّة على التقوقع خارج أسوار الزمن الجديد.. ولا يزال بعضها يحارب طواحين هواء في عالم لم يعد له وجود.. ولا تزال مسائل كشجرة الكريسماس وتهنئة المسيحيين بميلاد المسيح تَشغُل حيزاً كبيراً من تفكيرهم الذي يسعون لفرضه في عالم أصبحت فيه خياراتهم محدودة للغاية.
عالم افتراضي.. وعالم مُعزّز يستطيع كل فرد أن يخلقه ويعيشه ويحتفل به في غرفة صغيرة وبقرية نائية.. فما بالنا وهؤلاء يتحدّثون عن فتاوى المنع والحجب في مجتمعات ثرية تصلها كل إبداعات تكنولوجيا العصر الحديث.
جدل وسؤال وفتوى جواز تهنئة المسيحيين في أعيادهم.. هو الموضوع المُكرّر عند كل ذكرى ميلاد للمسيح.. وكل مناسبة رأس سنة ميلادية جديدة.. أو عيد فصح.
كانت ساحات الحوار في السابق تَحتَل الصحف والحوارات المُتَلفَزة.. والمجالس.. اليوم يَحسم الواقع الافتراضي والواقع المُعزَز مثل هذا الجدل.. بل ويرفعه أساساً من قائمة أولويات النقاش.. بعد أن أصبح العالم صغيراً وكبيراً مشغولاً بعوالم تكنولوجية مُعزَزة للواقع.. ونظريات علمية تتناول أكواناً مُتعدّدة.. وثقوباً سوداء تخترق الزمن.. ونظرية أوتار قد تكون مدخلاً في تعزيز الواقع الافتراضي بشكل أكبر.. وبحيث لم يعد هنالك مجال لشجرة الكريسماس لتدخل في الحوار أو في الجدل.
في الختام لا نقول إلا “ميري كريسماس” للعالم كله وكل سنة وأنتم جميعاً بخير.
