شجرة الرجال!

في كل مرة يترجل فيها عن ركب الحياة فارس من فرسان الكويتالقدامى، تجتاحنا وحشة وحسرة لفقدان معادن من الرجال باتت نادرة في زمن اختلطت فيه معايير الرجولة، وغابت عنه نزعات الفروسية الحقة!
يوم أن ترجلعبدالله الرشيد البدر عن ركب هذه الدنيا، توالت الصور والمشاهد من حياة رجل عكس بحكمته وتواضعه وأمانته واقع رجالات ذلك الزمن!
لم يكن الفقيد عبدالله الرشيد البدر رجل سياسة، ولم يتقلد يوماً ما منصباً رسمياً سياسياً كان أم غير سياسي، لكنه كان ثاقب الرؤية، يتعامل مع الأوضاع السياسية بعفوية ونقاء أهل الكويت القدامى، يرى في الصواب صواباً، وفي الخطأ خطأ من دون أن يضطر إلى تزوير واقع أو تطويع حقائق ليلائمها مع مصالح أو منافع شخصية أو وقتية!
عاش حياته مناصفة بين بيته وأهله، وبين مسجده ومصلاه، كان رجل دين وقرآن وتقوى، تظلل جبهته علامات السجود، ويطل من عينيه يقين الإيمان المطلق. لكنه أبداً لم يكفّر أحداً، ولم يشكك في عقيدة أحد، ولم يفتِ ضد أحد! كان الدين عنده المعاملة، كما كان يرددها دائماً، وكانت العقيدة بالنسبة له صفاء السريرة والخلق السليم! بل وغالباً ما كان ينبذ فكر المتطرفين الطارئين على الإسلام من وجهة نظره، فلقد كان، رحمه الله، يرى في الدين عمقاً وبعداً أكبر بكثير من مجرد مظاهر شكلية بحتة لا تخدم عقيدة ولا تورث يقيناً!
كان عبدالله الرشيد البدر، شأنه شأن أقرانه من رجالات الكويت القدامى، بسيطاً في تعليمه، جمعته وغيره من رجال تلك الحقبة مدارس الكويت الأولى كالمدرسة المباركية، التي كانت توفر آنذاك أساسيات التعليم البسيطة، لكنه كان شغوفاً بالعلم مسخراً طموحه لدفع أبنائه نحو تحصيل علمي وافر!
في كل مرة تسقط فيها ورقة من شجرة رجالات الكويت القدامى، وينقطع بسقوطها تواصلنا مع ذلك الزمن الجميل والنقي، لا نملك إلا أن نتساءل عن الظــروف الســائدة آنذاك، التي خلقــت لنــا جيــلاً من رجــالات الكويت، الذين لا نزال نعاصر عبق من بقي منهم على قيد الحياة، ونترحم على من غادرونا إلى الحياة الآخرة! كانت ظروفاً صعبة عاش فيها أولئك الرجال شظف الحياة، لكنهم ما تنازلوا يوماً عن الأمل، ولا زوروا الأمانة، ولا زيفوا الواقع، فكان زمنهم جميلاً نقياً بنقاء نفوسهم وصفاء قلوبهم!
هكذا، رحل عبدالله الرشيد البدر وغادرنا إلى حيث أقرانه من الرجال، ولا نملك حيال أمر الله سوى أن نترحم على روحه الطاهرة ونتلمس من حولنا من بقي من أقران عبدالله، علنا نتدثر بشيء من صفائهم قبل رحيلهم ومن نقائهم قبل أن يغيبهم القدر! سائلين المولى -عز وجل-، أن يلهمنا الصبر والسلوان وأن يتغمد روحه الطاهرة، وألا ينقطع وصلنا مع زمن عبدالله الرشيد البدر، وشجرة رجالات الكويت من أقرانه!

