
سيطرت الدعوة إلى حوار وطني بين السلطتين التشريعية والتنفيذية على كل الحوارات، افتراضية كانت أو فعلية.. هذا الحوار الوطني الذي دعا إليه سمو الأمير يأتي بهدف تهدئة الأجواء من أجل توحيد الجهود وتعزيز التعاون لما فيه مصلحة البلاد.
وبالرغم من الحاجة الماسّة اليوم في الكويت إلى إجراء مثل هذا الحوار.. فإن هنالك من يُشكّك في فُرص نجاحه أو حتى في خروجه برؤية توافقية نسبية تُنهي حالة التأزيم السائدة في الكويت منذ أشهر عدة.
تُعتبر مسألة الحوار الوطني، سواء في الكويت أو غيرها، من أهم ركائز النظام الديمقراطي المؤسسي.. ومن أهم معالم الدولة المدنية بشكل عام.. وربما لهذا السبب تعجز أغلب الحوارات الوطنية في عالمنا العربي على وجه الخصوص عن تحقيق أهدافها، وبحيث إن أغلبها يتحول مع مرور الوقت إلى مجرد مانشيتات إعلامية.. أو منصات نقاش جانبية إلى أن تتلاشى بفعل الوقت والاستنزاف الإعلامي أسباب الدعوة إلى الحوار وأهدافه.
في الحالات العربية كلها.. وبالتحديد منذ انطلاقة الربيع العربي.. ونحن نَشهَد ونسمع عن حوارات وطنية في العراق.. ومصر.. وليبيا.. واليمن.. وتونس.. وغيرها.. حوارات لم يصل أي منها إلى مرمى الهدف.. ولم تُحقّق ولو قدراً ضئيلاً من أهدافها.. والأسباب هنا بالطبع تتفاوت من دولة إلى أخرى.. لكنها في أغلبها تعود إلى نَمَط السلطة والنظام السائد في العالم العربي بشكل عام.. ففي أغلب الدول العربية يتم اختصار وتقنين مفهوم الدولة ليصبح مقتصراً على السّلطة.. فالدولة في أغلب دول العالم العربي هي الرئيس أو الملك أو الحاكم أو القائد أو الزعيم.. مع تخصيص خانة صغيرة هنا للمواطن أو للشعب.. مما أدى وبشكل ملحوظ إلى غياب أهم مقومات الدولة المدنية، أي دولة المواطنين.. لا دولة الرعايا.. ولا يمكن هنا إغفال مسؤولية الطرف المواجه للسّلطة.. فالتيارات السياسية والأحزاب الناشِطة والمؤسسات الفكرية تتحمّل جزءاً كبيراً من مسؤولية انقطاع التواصل بين الشعب من جهة والنظام من جهة أخرى.. فأغلب مثل هذه المؤسسات لا شك قد خَذَلت الشعوب وبشكل جعلها – أي الشعوب – تلجأ إلى التعبير عن صوتها من خارج تلك المؤسسات.. فكان أن تفجّر الربيع العربي بلا قيادة.. وبلا زعيم.. معبّراً عن سَخَط الشارع تجاه كل المؤسسات، سلطوية كانت أو معارضة.
إن الهدف من وراء أي حوار.. وطنياً كان أو سياسياً.. أو تصالحياً هو في محاولة التقريب بين وجهات نظر المتحاورين.. للوصول إلى الهدف الذي يُفتَرَض أن يكون غاية المتحاورين.
ومما لا يحتمل الشك في حوار المصالحة الكويتي أخيراً.. أن هدف الأطراف كافة يَكمن في فتح آفاق الحل والحلحلة للوضع المُتأزّم في الكويت منذ عدة أشهر.. لذلك يَتَحَتّم على المتحاورين أولاً اكتشاف المساحة المُشتَرَكة بينهم، وذلك لكي تكون محطة الانطلاق نحو حوار وطني جاد ومصالحة سياسية مُثمرة.. دون أن يشترط الأمر هنا تنازل أحد الأطراف عن موقفه السياسي المبدئي.
هنالك ملفات عدة مطروحة في هذا الحوار.. أبرزها قضية العفو الشامل واستجوابات رئيس الوزراء.. وكلها ملفات تَتَطلّب الحكمة في إدارتها حتى لا تُصبح مصدراً لانفجار أو خلاف أكبر مستقبلاً.
في النهاية لا أحد معفى من مسؤولية تداعيات الأزمة الراهنة وأسبابها، وهي مسؤولية تشترك فيها كلتا السلطتين.. الحكومة من جهة في بعض قراراتها وإدارتها السيّئة، خاصة ما يتعلّق منها بمسائل التعيينات وفساد بعض مؤسساتها وبعض مسؤوليها.. والمجلس الذي انحرف بعض أعضائه تشريعياً ورقابياً وبشكل افتقد معه البعض أبجديات العمل السياسي والبرلماني السليم.
مثل هذا الحوار الوطني التصالحي يضع الكويت أمام تحدٍّ كبير تَتَحمّله الأطراف كافة في سبيل المحافظة على النظام الدستوري المدني، الذي طالما كان الحُصن الواقي للكويت.. وحتى لا تكون الحريات والحقوق بمنزلة حصان طروادة الذي قد يُنقِذ أطرافاً في هذه المرحلة، خاصة عند استرجاع ظروف سابقة تمّت فيها صفقات كانت الحريات وهيئة الدولة المدنية من أبرز ضحاياها.
لتكن جولة الحوار الوطني الجديدة فرصة لتذكير الأطراف كافة بأن الزمن لا يمكن أن يعود إلى الوراء.. وأن المكتسبات والحريات والحقوق التي حقّقها المواطن الكويتي هي بمنزلة الإرث المقدّس في يقين شباب اليوم.. شباب دستور 1962.
