الأرشيف

شباب خارج التاريخ

[جريدة القبس 14/4/1997]

الندوة التي نظمها اتحاد الطلبة في جامعة الكويت والتي تناولت قضية تهويد القدس، هي بلا شك خطوة في الطريق الصحيح نحو دفع الشباب من الجيل الجديد للمساهمة والمشاركة في القضايا السياسية والوطنية.
الندوة تناولت قضية القدس من عدة محاور، فبينما ركز الدكتور إسماعيل الشطي على الصراع التاريخي مع اليهود، وفسر القرارات الغربية بمؤازرة إسرائيل ضمن إطار تاريخي حضاري، حيث يرى أن كتاب العهد القديم يشكل أساساً في المزاج العام للثقافة الأمريكية الواسعة التي تبرر إقامة القدس عاصمة أبدية لإسرائيل. فإن الدكتور عبدالله النفيسي، وإن بدا متفقاً بعض الشيء مع الدكتور الشطي في البعد الحضاري والتاريخي للقضية، إلا أنه قد أثار في حديثه بعداً آخر يكمن في غياب الشباب العربي المعاصر عن جذور هذه القضية وخلفياتها، مشيراً إلى مخاطر دخول الصهاينة إلى الجزيرة العربية والخليج عبر هذا الجيل، مما قد يدفع إلى صراعات وحروب عربية – عربية مدمرة.
هنالك، ولا شك، واقع نفسي مخيف وخطير، يحاصر الشباب العربي من الجيل الجديد، ممن عايش ويعايش التناقضات الحرجة في السياسة العربية دون أن يكون مساهماً فيها. وهو واقع أدى إلى أزمة نفسية، أوقعت الشباب في تناقضات عنيفة، بين أن يكون خاضعاً وقابلاً لبرامج الهيمنة والسيطرة الغربية، وبين أن يكون رافضاً رفضاً مطلقاً للغرب وبرامجه السياسية. أو بين أن يكون رافضاً لذاته ولكيانه، أو أن يكون متطرفاً في تمجيده لذاته وأدائها.
قد لا يكون هنالك تحسن فعلي وملموس في الواقع العربي عبر الخمسين عاماً الماضية، وقد لا يكون جيل الأمس في موقع أفضل من جيل اليوم، فالقضايا العربية التي عاصرها أهل الأمس لا تزال على حالها، والهموم هي الهموم ذاتها. غير أن ذلك لا يمنع من القول أن جيل الأمس قد احتل موقعاً أهم مما يحتله جيل اليوم، وحظي بميزات لا تتوفر شروطها الآن. فبالأمس كان المواطن لاعباً وحاضراً في قضاياه، أما اليوم فهو متفرج حيادي مجبر على الاستكانة والخضوع لدوره المفروض عليه.
لا نريد أن نتطرف ونبالغ في الحديث عن دور الفرد العربي في السابق تجاه قضاياه وأزماته، فالواقع السياسي العربي من حيث حرية الإرادة والمساهمة في الرأي والقرار لم يتغير كثيراً. وحضور الفرد العربي في السابق لا يعني مساهمته المباشرة في مجريات الأحداث حينها، غير أن حضوره فقط أمن له، ولا شك، فرصة لتشكيل وعيه وإدراكه وذاكرته التاريخية بصورة مكنته دائماً من تحديد نمط استجابته وتعامله مع الآخرين.
إن “التشوهات الفكرية” والتقمصات الكويتية للشخصية الأمريكية، والتي ذكرها الدكتور النفيسي في ندوة القدس، هي، ولا شك، نتيجة لغياب فرصة الشباب اليوم في تشكيل وعيهم وإدراكهم. مشكلة شباب اليوم هي في أنهم أصبحوا خارج التاريخ والأحداث، بصورة أدت إلى ذلك العزوف عن التعامل مع قضاياه وأزماته. وتلك، بلا شك، مسألة غاية في الخطورة والحرج. فالتاريخ هو المناخ الأساسي للفعل البشري، ومن خلال التاريخ وأحداثه يتشكل الوعي الإنساني، بصورة يسهل معها التنبؤ بالأفعال وردود الأفعال المستقبلية.
ومن هنا، فإن مهمة الدكتور عبدالله النفيسي لا تكمن في توجيه النقد “لمرحلة الدعارة”، وكما جاء في وصفه لمرحلة الجيل الجديد، بل أن مهمته هي في إعادة ذلك الجيل إلى حضن التاريخ، ومسرحه، لا ليكون فاعلاً هذه المرة وحسب، بل ليكون صانعاً للتاريخ.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى