الأرشيف

سُلطة القانون

[جريدة القبس 24/8/2024]

جميل جداً أن تكون هنالك قوانين مُنظّمة لشؤون البشر في حياتهم اليومية، تحمي حقوقهم، وتحافظ على الحق العام في الوقت نفسه، لكن المشكلة تكون حين نخلط بين ضرورة تطبيق القانون، وبين سلوك التخويف، فتنظيم حضور الموظفين في دوائرهم مثلاً هو ثقافة تراكمية، أصابها الكثير من الخلل في العقود الماضية، بسبب أخطاء إدارية وفساد في معظم مؤسسات الدولة، أدت إلى تدنٍ مخيف في ثقافة الالتزام الوظيفي، وبالتالي إلى الوضع الراهن الذي استدعى قانون بصمة الحضور، على الرغم من كل التحذيرات المتكررة، التي كان البعض يحذّر من مغبتها، ويُذكّر دائماً بمخاطرها المستقبلية. ولم تسلم من هكذا تسيّب في الالتزام الوظيفي، حتى مؤسسات تربوية وتعليمية، كجامعة الكويت مثلاً، حيث أصبح فيها بعض الأساتذة يختصرون مدة المحاضرة إلى النصف، خاصة في الفصل الصيفي، وعلى الرغم من كل ما كُتِب وقيل في هذا الصدد، فإن أحداً لم يحاول البحث في الأسباب أو إصلاح الأخطاء والتجاوزات في حينها.
اليوم تعمل الحكومة جاهدة، من خلال نظام البصمة وغيره من إجراءات، على تحصين ثقافة الالتزام الوظيفي، لكن العراقيل تواجهها من كل صوب، وكلها عراقيل تتحمّل الحكومة مسؤوليتها، فهي من سبّب في ارتفاع منسوب البطالة المُقنّعة في أغلب مؤسسات الدولة، إلى درجة أن محاولة الموظفين اليوم العودة إلى الالتزام بالحضور قد ضاعفت من المشكلة، حيث اتضح أن الكثير منهم لا يملكون حتى مكاتب بسبب انقطاعهم الدائم عن العمل، في مقابل حصولهم على مستحقاتهم كاملة. وما ينطبق على قوانين الالتزام الوظيفي، ينطبق كذلك على قوانين المرور، التي أصبح التلفزيون الرسمي الكويتي مسؤولاً عن بثّها يومياً، وإشعار المواطنين بخطورة تجاوزها في لهجة أقرب ما تكون إلى التهديد والوعيد بدلاً من التوعية والتثقيف، كذلك الحال في قوانين الحفاظ على البيئة والبناء، وحتى أخلاق المهنة.
إن القوانين التي تبث الخوف والخشية قصيرة في مداها واستدامتها، فاحترام القانون ثقافة تراكمية لا تخضع بالضرورة لمنطق الإلزام، بل لثقافة المصلحة العامة، والتي ستعود بالفائدة على الجميع. فبينما يكون من السهولة التهرّب من القانون الإلزامي بطرق كثيرة، يأتي الارتباط عضوياً بثقافة احترام القانون والالتزام به بفعل تراكم عادة الانضباط والاحترام لنصوصه، كعادة ملازمة للفرد بشكل يكون معها تجاوز القانون هنا مسألة شاذة وغير مقبولة اجتماعياً أصلاً، وأقرب مثال على ذلك، التزامنا كعرب بشكل عام بالقوانين في دول يكون فيها القانون ثقافة، لذلك تجدنا نلتزم التزاماً صارماً بقوانين المرور حين نسافر خارج دولنا، ونقف في الطوابير بانتظام، ونحترم المواعيد بدقة، ونحافظ على النظافة والبيئة، ليس بسبب التهديد والتخويف عبر أجهزة الإعلام هناك، وإنما لأننا نجد أنفسنا محاصرين بثقافة مُتجذّرة، تستنكر، قبل أن تعاقِب، أي خروج على منظومتها الثابتة والراسخة في نفوس مواطنيها وزائريها.
القانون للأسف في عالمنا العربي بشكل عام هو أداة عقاب وسُلطة وترهيب، وليس أداة تنظيم مُستَدام ومحترَم من قِبَل الجميع، كباراً وصغاراً، قامة ومقاماً، لذلك يسعى المواطن في دولنا دائماً إلى محاولة التمرّد عليه وكسره والتحايل عليه بطرق مختلفة، والالتفاف على نصوصه.
إن القوانين التنظيمية في شتى المجالات تتحوّل، بفِعل المُمارَسَة الصحيحة وعامل الزمن، إلى ما يشبه الضوابط الداخلية، التي تنشط حتى في ظل غياب القانون الخارجي، وبحيث تكون معها الجزاءات في تعديل السلوك، وليس في الوعيد والتهديد بسُلطة القانون.
من المؤكد أن سُلطة القانون لا تَتَحقّق بفعل الخوف من العقوبة، مهما بلغ حجمها، بل هي تستقر سلوكياً لدى المواطن بفعل العادة والتعوّد، وإدراك الفرد للفائدة المباشرة التي تمسّه وتمس شؤون حياته اليومية جراء العمل والالتزام بها، وهو بالتحديد ما تفتقده الثقافة العربية بشكل عام وإلى يومنا هذا.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى