غير مصنف

سوق الخدم الاستهلاكية

[جريدة القبس 27/3/1995]

تتحدث الإحصائيات عن نسب خيالية للعمالة في هذا الوطن!! وبخاصة العمالة المنزلية منها.
فجميعها ودون استثناء يعتمد، إلى حد كبير، على أفراد جلبناهم للقيام بخدمات هي من صلب عمل الزوج أو الزوجة أو الأسرة بوجه عام!!
وعلى الرغم من المساوئ الاجتماعية التي بدأنا نجنيها من جراء ذلك التحول في الوظائف الأسرية، إلا أن سلبيات العمالة المنزلية بشكل خاص لا تتوقف على ذلك وحسب!! فقد نكون مدركين أو غير مدركين بعد للأخلاقيات الجديدة التي بدأت تفرضها ظروف العمالة المنزلية.. وهي أخلاقيات بدأت تتسلل إلى مفاهيم وقناعات الأبناء.. ممن نشأوا وبدأوا مسارهم المجتمعي.. في ظل تصنيف مجتمعي جديد.. أصبح يشكل عائقاً أمام أخلاقيات وأطروحات الحرية والحقوق البشرية.. والكرامة الإنسانية والتي يحاول المجتمع من حولهم، بعقلائه وبمنظريه، أن يصيغها ويفرضها كتعاليم صارمة.. وحدود ثابتة لمفاهيم الأخلاق والحرية والحقوق، فردية كانت أم مجتمعية!!
هناك تناقض لا تخطئه العين ولا الأذن، بين ما يروج له المجتمع من مبادئ عامة للحقوق وللأخلاق، وبين ما يمارس على المستوى المجتمعي والعائلي والفردي!! خاصة في ما يتعلق بالتعامل مع العمالة داخل إطار الأسرة، حيث يفتقد البعض لأدنى أخلاقيات وسلوكيات المعاملة والعدالة بل والرحمة تجاه من يؤدون أعمالاً منزلية، يحتم عليهم أداؤها احتكاكاً مباشراً وتواجداً دائماً في المحيط الأسري!!
قد لا نكون المجتمع الوحيد الذي يتسم بهذه النسبة العالية من العمالة المنزلية فهنالك دول شرقية كثيرة، ممن تتيح ظروفها المالية الاستعانة بمن يؤدي عن أفرادها الأعمال المنزلية بشكل دائم وكامل!! غير أن الخلل هنا ليس في تواجد تلك العمالة، وإنما بالأسلوب الذي يتم فيه تنظيم تلك العملية.. والأخلاقيات التي أصبحت تحكم العلاقة بين المخدوم والخادم!!
مكاتب العمالة المنزلية.. أصبحت لديها (حقوق) مطلقة في الإشراف على جلب العامل والعاملة، وهو (إشراف) إداري وأخلاقي!! بخلاف الأوراق الرسمية وإجراءات المعاملة التي يتكفل بها المكتب.. هنالك أيضاً الإجراء الجزائي والعقابي!! فالمكتب مخول (بتأديب) العامل، أو العاملة، ممن خرج عن الطاعة!! وكثير من الأسر تستعين بذلك (الحق).. لتقويم العاصي منهم حيث يتكفل المكتب بضرب الخادم وتأديبه وتهديده إن لم يستقم!! وهو أمر لا مبالغة فيه على الإطلاق، بل هنالك شهادات كثيرة على الدور الذي تؤديه مكاتب التخديم، في رسم وتحديد أخلاقيات العمالة!!
قد لا يكون من الانصاف هنا أن تحتكر مكاتب التخديم ذنب المجتمع بأكمله!! فالمكاتب التي تجلب تلك العمالة، كما المنازل التي تضمها، هما في نهاية الأمر نتاج لمجتمع ولسياسة، ولإعلام يعمل بشكل مستمر على تعزيز تلك (الحقوق الأخلاقية المطلقة) ويكفينا برهاناً على ذلك أن نقوم بجولة سريعة على إعلانات مكاتب التخديم، تلك التي تعكس لغتها ومفرداتها ولا شك مفهومنا المشوه، وإدراكنا الخاطئ للعمالة بشكل عام!! حتى لقد أصبحت مفردات السلع الاستهلاكية، وقطع الغيار والآلات، هي المفردات ذاتها التي تستخدم في الإعلان عن خدمات جلب العمالة!! مثلما أن هنالك سيارة بمحرك خاص وأخرى بمحرك عادي، هناك خادم بتذكرة وآخر دون تذكرة وخادمة بحجاب وأخرى دون حجاب.. ومسلمة بضعف سعر المسيحية وغير ذلك من الإعلانات التجارية التي تستخدم عادة للترويج وللتسويق!!
وقد يرى البعض في ذلك مسألة ثانوية!! وإن جوهر العلاقة مع العمالة يجب أن يركز على حقوقهم المالية وظروفهم المعيشية!! وهو أمر قد يحمل شيئاً من الواقعية لو أن تلك الإعلانات بقيت بمعزل عن المجتمع بأفراده!! فالطفل أو الشاب الصغير الذي شب على تلك المفردات الإعلانية الاستهلاكية للعمالة، سوف لن يستطيع أن يخرج في تعامله معهم مستقبلاً عن هذا الإطار الأخلاقي الوضيع الذي رسمته له تلك المعايير التجارية البحتة!! بل لقد أصبحنا جميعاً مدركين لمفردات أخرى اقتحمت لغتنا اليومية، نتيجة لذلك الفهم الخاطئ!! فكلمة (هندي) أصبحت مرادفة لمعنى (خادم)!! وأدخلت تعابير جديدة مثل (هنديتنا فلبينية.. أو هنيدتنا سيلانية)!! وكلمة (فلبيني) أصبحت تستخدم كناية عن الفقر والعوز والحاجة!!
لقد تم التطرق لقضية العمالة بكافة أشكالها، من حيث آثارها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية!! وتلك جوانب بالإمكان التدخل فيها من خلال قوانين قد تعيد الأمور إلى نصابها!! لكن أبعادها الأخلاقية.. وما تطرحه من علاقة السيد والعبد.. في عصر التسامح والحقوق الإنسانية.. يفرض تدخلاً مباشراً من ناشطي حركة حقوق الإنسان.. قبل أن تتحول شبه الجزيرة الهندية.. في أذهان صغارنا.. إلى مصدر للخدم.. والجزر الفلبينية.. إلى مرضعات ومربيات!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى