الأرشيف

سماسرة العَرَق

[جريدة القبس 19/5/2020]

على الرغم من كل ما كُتب عن سماسرة الإقامات والشركات الوهمية والتلاعب الرهيب في استقدام العمالة، فإنها، كقضية، تبقى ساخنة وتستدعي إلقاء المزيد من الضوء عليها، لعلنا نجد مخرجاً من هذا المأزق وننقذ كرامة عشرات الآلاف من الضحايا المظلومين وإنسانيتهم.
القبس، وانطلاقاً من مسؤوليتها الإعلامية ودورها الوطني والمجتمعي، فتحت مشكورة قناة تواصل، تتلقّى من خلالها الشكاوى والبلاغات من ضحايا تجار الإقامات، بحيث انهالت البلاغات التي كشفت حجم عمليات النصب وقبحها التي ارتكبها هؤلاء التجار، وبتفاصيل مخزية مارسها سماسرة جهد وعرق هؤلاء المظلومين.
لقد تفاقمت تجارة الوهم وسمسرة الإقامات في ما بعد الغزو، وبشكل مخيف، ولم تستطع كل الحكومات المتعاقبة محاصرة هذه التجارة البشعة، التي كانت تصب في حسابات متنفذين، بعضهم أثناء توليهم المسؤولية، حتى أصبحت هنالك أسماء تُطرح دائماً في كل مرة يتم فيها فتح ملف تجارة الإقامات والشركات الوهمية، لكنها، وبكل أسف، بقيت بمنأى عن سيف العدالة وسلطتها! فدخلت أطراف أخرى مجال هذه التجارة، تلتقط ما تجود به وما يفيض عن حاجة السماسرة الكبار، وليتضخم هذا الملف البائس ويصل إلى ذروته ولتكشف الغطاء أزمة “الكورونا”، وما سببته من مأزق سيكون من الصعب بمكان على الحكومة تجاهله أو التقليل من شأنه، كما كان الحال في السابق!
أضم صوتي هنا إلى صوت الزميل الكبير أحمد الصراف، الذي قالها بصريح العبارة، مخاطباً رئيس الوزراء بضرورة أن يبدأ بمحاسبة النواب والوزراء والبعض من “عيال صباح”، إذا أراد لوطن الجميع أن يستمر ويزدهر وتشمل العدالة كل شعب “ابن صباح”، فالتفاصيل التي بدأت تظهر على السطح في ما يتعلق بتجار الإقامات تتداول أسماء ومراكز حساسة وعالية؛ بمعنى آخر أسماء يفترض أن تكون مسؤولة عن أمن البلاد وأمان العباد.
الأخبار التي نشرتها القبس مؤخراً تتحدث عن شبكات تجار البشر وعن حلقتهم التي تشمل وكلاءهم في الكويت، ومناديبهم في دول أخرى توفّر العمالة لدول الخليج، حيث تفيد تلك الأخبار بأن التعاون لا يزال مستمراً رغم كل ما أخرجته “الكورونا” من عفن وبؤس في قضية تجارة البشر، ما يعني أن مثل هذه التجارة، التي لا تزال، ليست في الكويت فقط، وإنما في دول العاملين أنفسهم، أكبر من القانون، وأكثر نفوذاً من الدولة بمؤسساتها.
قد لا تكون قضية الاتجار بالبشر قضية كويتية فقط؛ فظروف الطفرة والوفرة المالية في منطقة الخليج وما صاحبها من تحول في قيم وعادات اجتماعية كثيرة حولت المنطقة إلى ملاذ لمئات الآلاف من الوافدين الذين استطاع الكثير منهم أن ينسجم مع النسيج الخليجي ويحصل على فرصة عمل كريمة؛ ليصبح بذلك مساهماً، وبشكل مباشر، في بناء دول الخليج، وإرساء قواعد نهضته في شتى المجالات، لكن شراهة بعض المتنفذين في تلك الدول قرصنت ذلك التبادل العملي الثري، وفتحت الباب لمئات الشركات الوهمية النشطة في الدول الخليجية لتصنع ثروة من عرق آلاف العمال ولتتضخم بذلك كرة الثلج، وتصل إلى الحالة الراهنة.
الحلول لقضية تجارة البشر سهلة وواضحة المعالم، لكن المشكلة تكمن في البداية؛ فالرؤوس، وكما ورد في تفاصيل القضية، كبيرة، وما لم تكن البداية منها، فإن جميع المقترحات والحلول لن تكون أكثر من مجرد حبر على ورق.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى