الأرشيف

سلحفاة حكيمة ولا أرنب مغرور!!

[جريدة الطليعة 26/1 – 1/2/1994]

قصة السلحفاة والأرنب.. من القصص التي حظيت بشهرة كبيرة لدى ثقافات وشعوب مختلفة.. وهي قصة تحفل بالعبرة والمغزى.. حيث يحكى أن أرنباً دعى سلحفاة لسباق في اجتياز الغابة.. إلا أن المنافسة انتهت وبعكس ما توقع الأرنب.. وذلك بفوز السلحفاة البطيئة على الأرنب السريع!! مغزى الرواية ولا شك يكمن في الحنكة والحكمة التي أبدتها السلحفاة مقابل تهور وغرور الأرنب!
رواية السلحفاة والأرنب هذه.. تذكرنا أحياناً بالحال الذي أصبح عليه وطننا الصغير.. المحاط بالعديد من الأرانب، والتي كان بالإمكان أن تدفعنا لأن نصبح كالسلحفاة في حكمتها وتدبيرها. والتي استطاعت أن تقهر الأرنب السريع في سباق.. وذلك باستثمار ما تملكه من قدرات أخرى جابهت بها قدرة الأرنب في الجري وانتصرت عليه!! حالنا في هذا الوطن وللأسف الشديد.. ليس كحال السلحفاة ولا هو كحال الأرنب.. وعلى الرغم من قسوة التجربة التي عبرت بنا.. إلا أنها لم تنجح في اقتلاع أوهام وأخطاء كثيرة ما زالت باقية في مسيرة الوطن المستقبلية.. ولعلّ من أكثر تلك الأمور حساسية وإثارة للقلق لدى المواطن.. قضية الأمن من إعداد وتسليح للجيش.. خاصة وأن الوطن يعيش وسط أرانب تفوقه ولا شك في مجال أعداد الجيش والدفاع.. فهل نسعى لأن نكون أرنباً حتى ولو صغيراً.. أم نعمل بما عملت به السلحفاة.. على تنمية ما بحوزتنا من قدرات لمجابهة جيوش الأرانب!!
حقيقة الأمر.. ليست كذلك.. والمتتبع لسياسة التسلح في الوطن.. ولميزانية وزارة الدفاع.. ولتصريحات وزير الدفاع.. لن يجد صعوبة تذكر في إدراك أننا اخترنا أن نكون أرنباً صغيراً!
فتصريح وزير الدفاع الأخير.. الذي شدد فيه على أهمية تعزيز ميزانية الدفاع.. وتأكيده على أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من تطور وتقدم الجيش الكويتي على مختلف المستويات ومختلف أفرع قواته الجوية والبرية والبحرية.. تصريح الوزير هذا.. يشير بوضوح إلى عدم نضج مفهوم الأمن الخارجي بعد في هذا الوطن.. خاصة وأن مثل تلك التصريحات التي تحرص على طرح أرقام تؤكد مدى استعداد الجيش.. لم تنجح في رفع روح المواطن القلقة منذ أحداث الغزو المشؤوم.. فدرجة الوعي التي أصبح عليها المواطن عن حقيقة سقوط الاستراتيجيات الدفاعية القديمة.. والتي أسقطتها حرب التكنولوجيا والكمبيوتر التي حررت الوطن دون مواجهة حقيقية للجيوش. إدراك المواطن لذلك.. جعله لا يعير أهمية تذكر لكل ما يقال ويعلن عن مدى استعداد الجيش.. بعد أن أصبح ذلك لا يضيف شيئاً إلى رصيده الفعلي من الإحساس بالأمن والأمان.
الميزانية التعزيزية الأخيرة.. والتي أعلن عنها وزير الدفاع.. وبلغت ثلاثة مليارات ونصفاً.. لشراء أسلحة ومعدات للجيش الكويتي.. أثارت ولا شك تساؤلات لا تخلو من احتجاج وتذمر.. ويضاعف من حالة التذمر هذه.. تدهور الاقتصاد.. وتراجع أسعار النفط. إضافة إلى ارتباط الوطن بترتيبات أمنية مع الولايات المتحدة.. ودول عربية أخرى.. استهدفت تزويد دول الخليج عموماً.. والوطن خصوصاً.. بضمانات قوية للحفاظ على أمنها في مواجهة أي تهديدات محتملة.. وتلك بطبيعة الحال مقابل اتفاقيات تعاون في مجالات عديدة.. أدركها ولا شك المواطن.. ولمس أثارها من خلال التحول الكبير الذي تشهده أسواق الوطن من هجوم واضح للمنتجات الأمريكية خاصة!!
المواطن ولا شك يعي جيداً الظروف التي دفعت بتلك الاتفاقيات إلى الوجود.. ويعلم كذلك أن ميزانيات الدفاع هي جزء ولا شك من تلك الاتفاقيات.. وهو في وعيه ذلك لا يحتج ولا يتذمر.. ما دام العائد هو أمنه واستقراره خاصة بعد التبدل الذي طال قناعات كثيرة كانت بحوزته لكن مصدر احتجاج وتذمر المواطن.. يأتي ولا شك من الاستهتار الواضح بقدراته على الفهم والاستيعاب.. وإدراك المستجدات التي طرأت.. فهو يعلم جيداً أنه لن يستطيع مواجهة التحديات العسكرية والقتالية من حوله.. حتى لو خصص لكل مواطن دبابة يقودها في المواجهة بين أي من دول الجوار!! وهو بالتأكيد أمر لا يعيب.. فالوطن يملك مقومات كثيرة بالإمكان العمل على تنميتها وإعدادها.. فنحن ولا شك نملك من معالم القرن المقبل ما لا يملكه أحد من دول الجوار.. فالديمقراطية والتعددية وحرية الرأي هي المعالم الباقية والمتجذرة في كيان من سبقنا من الدول المتقدمة.. ونحن الآن بحاجة إلى إعادة ترتيب لأولويات البناء والإعداد في هذا الوطن.. تأتي على رأسها رعاية وتنمية وحفظ مسيرة الوطن المتميزة في الديمقراطية.
ليس القصد مما سبق ذكره.. إلغاء الجيش.. كما يحاول البعض أن يجيب في تصديه لأي احتجاج من المواطن على ميزانية وزارة الدفاع.. أو لأي نقد على تكرار ذات الأخطاء في أسلوب بناء الجيش.. فالجيش ولا شك من مقومات الدولة.. إلا أننا الآن أمام تجربة ما زالت قابعة في نفوسنا.. تؤكد فشل أسلوب الدفاع الذي كان قائماً.. وتعزز في ذات الوقت من أهمية جوانب أخرى في بناء الوطن.. كالتعليم والتطبيب.. التي أهملت كثيراً.
إعادة النظر في الأولويات لا تعني تراجعاً.. بقدر ما تنم عن نضج واستيعاب لما يعبر به البشر من قضايا وأحداث.. ولنا في أمثلة عديدة من حولنا عبرة ومثل.. فالنظام العراقي يتراجع من سيئ إلى أسوأ.. لاستمراره في الإصرار على ذات الرؤية التي كانت فيما قبل الأحداث.. النظام في العراق ما زال يعتبر الجيش وبناءه في قمة الأولويات ولم تبدل الأحداث من شيء في تلك الرؤية التي جلبت الدمار للنظام وللفرد في العراق.. بينما أعادت إسرائيل النظر في أولوياتها.. بعد أن أسقط الصاروخ العراقي نظرية الأمن الإسرائيلي.. وقد لا يكون ذلك سبباً في دخول الدولة اليهودية إلى حظيرة السلام.. إلا أنه بالتأكيد قد أضاف جديداً إلى الأولويات الإسرائيلية!
التروي والقراءة المتأنية لمعطيات التاريخ.. هي التي أمنت للدولة اليهودية الاستمرار وسط كل هذا العدد من الأعداء.. والرعونة.. والحسابات الخاطئة هي التي حطمت العراق نظاماً وشعباً.. على الرغم من كل الدول الصديقة والشقيقة المجاورة.. وحدها الحكمة واستثمار ما هو باليد.. جعل السلحفاة تتفوق على الأرنب في سباق للجري!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى