شئون عربية

سلام الشجعان.. والفرص الضائعة

سلام الشجعان.. والفرص الضائعة

التزم البعض الحياد تجاه ما آلت إليه المفاوضات العربية – الإسرائيلية.. من منطلق كونها شأناً وهماً فلسطينياً.. بل واستطاع ذلك البعض تبرير موقف منظمة التحرير ووفدها المفاوض.. بالانفراد في تسخير الجهود التفاوضية باتجاه (النصر الفلسطيني) الممثل في خيار “غزة وأريحا أولاً” فعلى الرغم من استياء عمان.. وقلق سوريا.. وخوف لبنان.. من مسار المفاوضات إلا أن ذلك البعض يرى أن الوضع العربي بوجه عام.. والفلسطيني بوجه خاص.. لا يحتمل المضي في المزيد من المطالبات.
فالوضع العربي الذي خلّفته حرب الخليج الثانية. يقضي على كل بارقة أمل طموحة في أن تستمر المفاوضات العربية – الإسرائيلية كمفاوضات سلام.. لا مبادرات استسلام وخضوع!! وحيث خسر العرب في أعقاب تلك الحرب.. خسروا العراق وهي الدولة الوحيدة التي كانت مؤهّلة لمجابهة إسرائيل بعد أن خسروا من قبل مصر.. في مفاوضات استسلامية مشابهة. أما الوضع الفلسطيني.. فإن مفاوضي المنظمة لا يملّون من تكرار إمكانية استغلال الأزمة المالية الخانقة التي يمر بها الفلسطينيون كأداة ضغط ضدهم على طاولة المفاوضات!!
الفلسطينيون المفاوضون.. والعرب الذين أصبح يطلق عليهم “المعتدلون” نسبة إلى تفهمهم وإدراكهم للمقدرة العربية.. كل هؤلاء أصبحوا يرون في الإنجاز التفاوضي العربي قمة التعقّل.. انطلاقاً من مبدأ الاستسلام أولاً ثم المناقشة.
قد لا ينكر أحد أن الخارطة العربية بأكملها تمر بمرحلة حرجة من تاريخها.. ولا نستثني من ذلك بالطبع التضاريس الفلسطينية إلا أن انسياق الموقف العربي الرسمي باتجاه دور الضحية التي لا تملك إلا الانصياع لظروف المنطقة.. ذلك التوجه أصبح هو السمة الغالبة والطاغية.. والتي غدت مُسيطرة على المواقف الرسمية كلها دون استثناء.. لكونها دون شك الأسهل في تبرير تلك التنازلات من الجانب العربي.
حقيقة أن الوضع العربي حرج. إلا أنه وبالرغم من كل ذلك ما زال بحوزة مقايض عملية السلام.. الكثير من الأوراق التي ما زالت صالحة.. وبإمكانهم استخدامها لعلّ حلم الرئيس افلسطيني “بسلام الشجعان في منطقة الشرق الأوسط” يتحقق.. كسلام شجعان لا مستضعفين.
ما زال بإمكان الموقف العربي تسخير ظروف انتهاء الحرب الباردة لصالح مطالبه المشروعة.. فالحرب العربية – الإسرائيلية أصبحت شبه مستحيلة.. خاصة بعد أن تم إستثناء العراق ومصر من ساحة المواجهة.. إلى جانب أن انتصار النظام العالمي الجديد قد أكد للغرب ضمان استقرار المصالح الغربية والأمريكية في المنطقة.. بعد أن كان شبح الحروب العربية – الإسرائيلية يهدد ذلك الاستقرار.
أما فيما يتعلق بالموقف التفاوضي العربي. والذي فشل العرب.. أو تخاذلوا عن دعمه.. فقد لا نبالغ إذا ما قلنا أن انتهاء الحرب الباردة. قد خلق مناخاً أفضل كان بإمكان الموقف العربي استغلاله. خاصة وأن الرغبة الأمريكية في الضغط على إسرائيل كانت صريحة.. وواضحة.. في سبيل الإذعان للمطالب العربية.
التصريحات العربية المتلاحقة لدعم المفاوضات.. وما آلت إليه تلك المفاوضات من خيارات.. قد يكون آخرها وليس أولها “خيار غزة وأريحا”. تترجم حقيقة كانت دوماً حاضرة في الواقع السياسي العربي. ألا وهي عجز العرب عن المناورة والمراوغة بالصورة التي تخدم قضاياهم سواء حاضراً أو مستقبلاً.. فالتحجّج بالأثر الذي خلفه اختفاء القطبية الثنائية على التوازن الإقليمي بين العرب وإسرائيل. ما هو إلا محاولة لتبرئة ساحة المفاوضين حيال مواقفهم الاستسلامية. خاصة وأن الشواهد كلها تقول إن انهيار الاتحاد السوفيتي.. وبزوغ النظام الدولي الجديد بزعامته الأمريكية هو عامل يصب في صالح الموقف التفاوضي العربي.. فمما لا شك فيه أن انهيار المعقل الشيوعي قد أنهى إلى حد كبير الدور الاستراتيجي الذي كانت تلعبه إسرائيل في المنطقة.. وبحيث أصبحت الدولة الربيبة عبئاً يتزايد ثقله يوماً بعد يوم على كاهل الدولة الراعية.. فالغرب وأمريكا على وجه الخصوص قد بدأ في مرحلة حساب تكاليف دعمه ومؤازرته للدولة اليهودية. خاصة بعد أن استطاعت دول عربية أخرى كمصر والسعودية المساهمة في حماية المصالح الأمريكية بصورة لا تقل أهمية عن الدور الذي أدته إسرائيل طوال حقبة الحرب الباردة وقد تأكد ذلك الدور العربي في حماية المصالح الغربية إبان حرب الخليج الثانية.. وحيث استدعت تلك المساهمة العربية إعادة نظر أمريكية تجاه الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل.
لا يزال الوضع الدولي القائم الآن.. ومنذ انتهاء الاتحاد السوفيتي.. يصب في خانة المصلحة العربية التفاوضية فنهاية صراع القوتين الأعظم سيؤدي وبلا شك إلى تعاظم وتنامي قوى الدول الأصغر.. إن لم يكن ذلك قائماً الآن.. فسيكون مستقبلاً.. ولعلّ في السياسة الأمريكية تجاه إيران والعراق وتركيا.. ما يؤكد تلك الحقيقة. والمشكلة الفلسطينية كانت وستبقى حاضرة في وجدان تلك الدول. والتي وعلى الرغم من خلافاتها الكثيرة والمتكررة.. إلا أنها دوماً كانت تلتقي عند المحطة ذاتها مؤكدة دوماً التزامها المطلق فيما يخص قضية الصراع العربي.. الإسرائيلي.
كثيرة هي العوامل التي بالإمكان استغلالها وتسخيرها في مسيرة السلام.. أملاً بالتوصل إلى سلام شجعان حقيقي.. لكن المعضلة التي كانت دوماً عائقاً.. ليست في خلق الفرص والظروف.. وإنما تكمن المعضلة الحقيقية في القائمين على استغلال تلك الفرص وانتهازها!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى