شئون عربية

سلاح النفط ومبدأ كارتر

سلاح النفط ومبدأ كارتر

دعت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين القمة العربية إلى استعمال سلاح النفط من أجل حمل الدول الغربية على وقف دعمها لإسرائيل. وقالت الجبهتان في بيان: “يجب أن تمارس الدول العربية ضغوطاً اقتصادية وخصوصا نفطية على الإدارة الأمريكية لإرغامها على وقف دعمها لإسرائيل“.
وهو بلا شك اقتراح جيد ومنطقي ويحمل دعوة حكيمة وناضجة. لكنها وبكل أسف دعوة عقيمة وعاجزة لأسباب كثيرة أهمها وأبرزها أن العرب لا يملكون من النفط شيئاً الآن إلا دخانه وأبخرته!! كما أن مشروعاً كهذا لا يأتي بقرار برغبة تفرضه ظروف مرحلية، وإنما ينتج عن استراتيجية وتخطيط طويلين، وهو بكل أسف ما لم يحدث في التاريخ العربي الحديث الذي أصبحت مجريات وأحداثه رهن الصدفة والمفاجأة!!
اليوم نحن لا نملك من النفط سوى إيراداته التي أصبح أغلبها مخصصاً لستر عورات ديوننا بفعل عنجهية العراق، وبسبب انعدام الفكر والتخطيط الاستراتيجي في أجنداتنا!! فأحداث الخليج التي تفجرت مع الثورة الإسلامية في إيران مروراً بحرب العراق وإيران ووصولاً إلى غزو الكويت وحرق آبار النفط، كانت ولا تزال محل رصد وتقدير وتخطيط من قبل دول أخرى تتقن فن التكتيك والتخطيط، وتتحرك وفق استراتيجيات وخطط مدروسة ومتقنة!!
في كتاب “الصراع على الخليج العربي” لمؤلفه “عبدالرحمن محمد النعيمي” أشار الكاتب إلى “مبدأ كارتر” الذي أعلنته الإدارة الأمريكية إثر التحولات السياسية الحادة في بلدان العالم الثالث وبالأخص بلدان منطقة الخليج العربي في نهاية السبعينيات، حيث أعلن وزير الطاقة الأمريكي في مارس 1979 “أن إدارة الرئيس كارتر تدرس خططاً لإقامة حضور عسكري أمريكي في منطقة الخليج، وأن لدى الولايات المتحدة مصالح حيوية في تلك المنطقة وعليها أن تتحرك للدفاع عن تلك المصالح حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة العسكرية.
ثم توالت التحركات الأمريكية فيما بعد لتسخير كل الأحداث والمتغيرات في المنطقة في سبيل خدمة ذلك الهدف الاستراتيجي، فترجم وزير الدفاع الأمريكي “هارولد براون” في خطابه أمام مجلس العلاقات الخارجية بتاريخ 6/3/1980 توجهات الإدارة الأمريكية التي رسمها “مبدأ كارتر” وحدد أولاً المصالح الحيوية على أنها، أولاً تأمين الوصول إلى النفط، وثانياً مقاومة التوسع السوفيتي، وثالثاً تدعيم الاستقرار في المنطقة. أما رابعاً فهو دفع مسار السلام في الشرق الأوسط وضمان أمن إسرائيل.
وبعد تحديد وزير الدفاع الأمريكي لعناصر الردع غير العسكرية تطرق في موقع آخر إلى عناصر الردع العسكرية والتي جاء على رأسها تطوير أدوات القتال التقليدية وقوات التدخل السريع وإبراز القوة بالإضافة إلى تطوير القدرة على استخدام القوة العسكرية بشكل أكثر فعالية.
لم يكن مشروع السيطرة على منابع النفط وليد صدفة أو مفاجأة، وإنما أصبح مشروعاً فعلياً وواقعاً حقيقياً بعد سنوات طويلة من التخطيط والتكتيك والدراسة!! أو كما جاء في كتاب “النعيمي” من أن مفهوم قوة التدخل السريع قد تطور للمرة الأولى عام 1977 عندما طلب الرئيس الأمريكي جيمي كارتر من مجلس الأمن القومي مراجعة القدرات العسكرية للولايات المتحدة، وتضمنت الوثيقة التي نتجت عن تلك المراجعة تحذيراً مفاده أن “الولايات المتحدة ليست معدة تماماً للتعامل مع الأزمات الناشئة في العالم الثالث وبالذات في منطقة الخليج الغنية بالنفط”.
بعد هذا الاستعراض الموجز جداً لأسلوب تحديد الغرب وتعامله مع أهدافه الاستراتيجية تأتي دعوة الجبهتين الشعبية والديمقراطية ساذجة جداً. ليس لأن دول النفط العربية ترفض أو تتردد في استعمال النفط لنصرة الانتفاضة الفلسطينية أو لمعاقبة إسرائيل ومن يساندها وإنما لأنها أساساً، وكما ذكرنا مسبقاً لا تملك من النفط نفوذه السياسي وسلاحه. أما الأسباب فهي أوضح من أن نذكرها، وإن كان أهمها على الإطلاق غياب استراتيجية نفطية عربية تنطلق منها قرارات ورغبات كالرغبة التي أشارت إليها الجبهتان.
لقد حبانا الله بثروة مهمة، وموقع استراتيجي جعلنا كمنطقة عربية محط صراع تتصارع عليها قوى خارجية كثيرة. وبالفعل فقد أرهقتنا تلك الصراعات وبددت ثرواتنا وجهودنا. ولا مخرج لنا من هذا الواقع الراهن إلا ببناء علاقات تعاونية صحيحة، وصياغة استراتيجيات محكمة وذكية تنطلق منها وبكل ثقة كل قراراتنا ومشاريعنا العربية!! بمعنى آخر علينا قبل التلويح بسلاح النفط أن نضع سلسلة من المبادئ تبطل مفعوم “مبدأ كارثر”!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى