غير مصنف

سقوط حلم غولدا مائير

8فبراير2025

عِبْر التاريخ، عرفت البشرية التهجير القسري، والذي حدث مراراً بحق شعوب وأمم وقبائل. وعلى الرغم من أن القانون الدولي يعتبر التهجير القسري جريمة حرب وضد الإنسانية، فإنه حدَث ويحدث بدءاً بقيام أهل مكة على إرغام الرسول (صلى الله عليه وسلم)، بالخروج من مكة والهجرة الى المدينة، الى تهجير التتار على يد ستالين، ووصولاً الى عمليات تهجير ممنهجة في أرمينيا والعراق وسوريا. لكن يبقى تهجير الفلسطينيين من أرضهم، منذ نكسة 1948 وحتى اليوم، هو التهجير الأكثر حضوراً لأسباب مختلفة، بعضها يتعلق بطبيعة الصراع العربي – الإسرائيلي، الذي يحمل أبعاداً دينية واجتماعية وفكرية وسياسية، وبعضها الآخر يرتبط بعزيمة الفلسطينيين كشعب ومدى تمسّكهم بأرضهم وإصرارهم على رفض كل محاولات التهجير.
باستثناء نكبة 1948، فإن محاولات العدو الصهيوني لتهجير الفلسطينيين بقيت في إطار الحلم، وعِبر الحروب، التي اشتعلت في المنطقة، لم تنجح الدولة الصهيونية في تحقيق هذا الحلم، وبقيت «الهجرة» الفلسطينية ضمن إطار الحدود التاريخية لفلسطين.
يقال إن غولدا مائير قد قالت يوماً إنها تتمنى أن تصحو يوماً وتجد غزة قد اختفت من الوجود، لكن حلم غولدا لم يتحقق، حتى بعد أن طوته عقود طويلة، فأهل غزة المدمرة يعودون اليوم بمئات الآلاف الى شمالها، يتوسدون الأنقاض ويلتحفون الدمار، لكنهم لا يهجرونها ولا يرحلون.
الرواية المعهودة في كل مرة يصطدم أهل القرار، عرباً كانوا أو صهاينة، بالواقع الذي فرضته العزيمة الفلسطينية الصلبة، يدور الكلام حول رفض عمليات التهجير، وفرض حل الدولتين كمخرج سياسي، على الرغم من أنه لا يوجد أصلاً أي تصوّر لحدود هاتين الدولتين، ولا شكلهما، ولا حقوق المواطنين فيهما، ولا أي تفاصيل أخرى محددة، بخلاف رفض إسرائيل المتكرر لمثل هذا المشروع في كل مرة يُطرَح عِبْر منابر دولية أو إقليمية، وهو ما صرّحت به غولدا مائير بعد حرب 1967، وكانت حينها في منصب رئيس وزراء الكيان، حين سألتها إحدى الصحف حول إمكانية قيام دولتين، فقالت: «المكان لا يتّسع لمقعدين». بمعنى أنه لا مكان للفلسطينيين معهم
الحلم الإسرائيلي مستمر، ولكن من دون أن يحقق نجاحه المزعوم، وذلك منذ أن مارست العصابات الصهيونية، بالتعاون مع الانتداب البريطاني قبل عام 1948، عمليات تهجير قسري، إلى أن حدثت محاولات تهجير مشابهة بين حربي 1948 و1967، ووصولاً إلى تدمير غزة بالكامل لدفع أهلها على هجرة أرضهم، وأيضاً المحاولات المستمرة لمحاصرة أهالي الضفة الغربية بالمستوطنات، التي لم تستطع كل المعاهدات العربية – الإسرائيلية، من مؤتمر مدريد إلى أوسلو ووادي عربة وغيرها، وقفها أو حتى الحد من انتشارها ومحاصرتها للمناطق الفلسطينية.
لم يتحقق الحلم الإسرائيلي الكئيب إذاً، ولم تنجح كل محاولات تهجير الفلسطينيين أو توطينهم، بدءاً بخطة سيناء في عام 1953، والتي دعمتها واشنطن آنذاك لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، ومروراً بخطة شارون في عام 1970، والتي كانت تهدف إلى تفريغ قطاع غزة من سكانه ونقلهم إلى سيناء والعريش، إلى ان وصلنا إلى الحقبة الترامبية، وذلك حين أعلن الرئيس الأمريكي ترامب في ولايته الأولى عن صفقة القرن، التي تَتَضمّن خطة أمريكية لتهجير الفلسطينيين وخلق «وطن بديل» لهم، أما ولايته الثانية فقد تطوّر «الحلم الصهيوني – الأمريكي» فيها، وتحوّل إلى مشروع استثماري سياحي في غزة بعد تفريغها من أهلها.
جاء مشهد عودة مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى شمال غزة مهيباً يتحدّى كل روايات التهجير القسري، ففي صبيحة يوم الإثنين، 27 يناير من العام 2025، رسم أهل غزة مشهدهم الخاص، الذي أذهل العدو الصهيوني، وأصاب العالم بالصمت، وشكّل علامة فارقة في تاريخ فلسطين والمنطقة.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:غولدا مائير-التهجير القسري-وزراء الكيان-الانتداب البريطاني

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى