سقطت العدالة.. وعلى الهواء مباشرة

سقطت العدالة.. وعلى الهواء مباشرة
في شهر أغسطس الماضي أطلقت السلطات في كوريا الجنوبية سراح أحد الناشطين الشيوعيين… بعد أن أمضى في السجن ما يزيد على الأربعين عاماً!! وقد كان أول تعليق له حال خروجه من السجن، أن لا شيء قد تغيّر.. فما زالت أعداد الفقراء في ازدياد.. وما زال للأغنياء حقوق لا تمس!! وبأن كل ما يحيط به من مشاهد.. ومن مبان شاهقة.. تدل على تلك الحقيقة المؤلمة!! ولعلَّ ذلك السجين يحمل الرأي نفسه تجاه حكم البراءة الذي صدر مؤخراً بحق لاعب الكرة الأمريكي “سيمبسون”.
قليلون ممن تابعوا محاكمة اللاعب الأمريكي ساورهم الشك في إدانته!! فلقد كانت الأدلة والبراهين في وضوح الشمس الحارقة!! مما جعل المجتمع الأمريكي ينقسم على نفسه بشأن حكم البراءة، والذي رأى فيه البعض ممن أدهشهم حكم البراءة أنه محاولة لتطويق إثارة عنصرية قد تخلقها الإدانة، خاصة وأن الطرف المتهم هو “سيمبسون” الأسود في مقابل الطرف الآخر، المتمثل في زوجته البيضاء وصديقها الأبيض!!
بخلاف الصخب والضجة الإعلامية اللذين رافقا محاكمة “سيمبسون”، وجعلانا في هذا الوطن – كما في أنحاء أخرى من العالم – نعيش تفاصيلها الدقيقة بسبب المد الإعلامي!! كيف يمكن أن تكون انعكاسات قضية داخلية بحتة على شؤون دول العالم الأخرى!!
لقد أفصحت تفاصيل جريمة ومحاكمة “أو. جي. سيمبسون” عن الجانب الأخلاقي للنظام العالمي الجديد!! والذي سنخضع له جميعاً في ظل الأحادية القطبية، وما تفرضه من تبعية كاملة لكل ما يحمله المجتمع الأمريكي، وما يؤمن به المجتمع الرأسمالي من أساسيات وقواعد للبناء المجتمعي!!
أساس براءة “سيمبسون” والسبب الأول في ما صدر من حكم، هو فريق المحامين الذي حبذه اللاعب الأمريكي في سبيل الدفاع عنه!! ولا داعي هنا للتحدث عن التكاليف المالية التي يتطلبها تسخير مثل هذا الطاقم من المحامين للدفاع عن متهم!! أي أن ثروة “سيمبسون” وملايين الدولارات هي التي دفعت بالبراءة لتجتاز الإدانة في تحدي المحاكمة الطولى في التاريخ الأمريكي!!
قيل في السابق أن الرأسمالي مستعد أن يبيعك الحبل الذي تشنق به نفسك!! وقلنا أنها مغالطات ومبالغات يسوقها الفكر الشيوعي في مقابل نظيره الرأسمالي!!
وقيل أن الأخلاق والعلاقات الأسرية والمجتمعية في مجتمعات الثروة، أساسها الملكية وقوامها المال والأملاك!! وقلنا أن تلك اتهامات مبالغ فيها، وأن مجتمعات الثروة قد استطاعت أن تضع أطراً أخلاقية، وقوانين صارمة يصعب تجاوزها!!
والآن نحن على وشك انهيار تام لتلك الأسس والمعايير الأخلاقية!! بعد أن أصبح المال والثروة هما المتحدث الأول، وانقلبت تلك المعايير بعد أن اختلطت أولويات تلك الأسس والمعايير الأخلاقية!! نقول نحن ولا نقول أمريكا وحدها!! لأن أمريكا أصبحت هي (أم الدنيا) لا مصر، كما اعتدنا وتعلمنا فيما سبق!! فالسيادة التي أصبحت من نصيب الولايات المتحدة بعد انهيار الثنائية في مقابل أحادية القوة.. هي سيادة ثقافة وأخلاق وتراث.. لا سلاح وعتاد وقوة وتواجد فحسب!!
المثير والمخيف في قضية “سيمبسون” أن الرأي العام العالمي لا الأمريكي فقط والذي راقب تفاصيل القضية!! قد أدرك إدانة “سيمبسون” منذ مشهد المطاردة الأول!! وبات على هؤلاء المتابعين للقضية أن يشاهدوا تفاصيل صراع المال في مواجهة العدالة والحق!! والذي استمر حتى مع النطق بحكم البراءة!! حيث صدر الحكم بتبرئة كاملة للتهم.. من كافة التهم، وبالتالي عدم جواز استئناف هذا الحكم على أي مستوى من المستويات!! وهو ما دفع الرئيس الأمريكي إلى التصريح بأن على الجميع احترام حكم هيئة المحلفين.. حتى لا تمتهن العدالة في أمريكا!! على الرغم من أنه قد سبق وأعاد القضاء الأمريكي حكم المحلفين في قضية الشرطي “كنغ” التي أثارت الهياج العنصري في لوس انجلوس حيث تمت إعادة الحكم بعد تغيير الولاية!!
قد يكون من السذاجة بمكان الاستهتار بقوة وسطوة المال في حياة البشر!! فللمال صوته الذي يفوق في أحيان كثيرة صوت الحق والعدل!! غير أن ما يثير في قضية اللاعب الأمريكي أنها مشاهد حية، تعلن سقوط الجانب الأسطوري من الأخلاق!! والذي طالما لجأنا إليه حتى مع ما يساورنا من شكوك حول مصداقيته بين الحين والآخر!! محاكمة “أو. جي. سيمبسون” كانت نقلاً حياً للصراع الدائم بين المال والنفوذ والقوة من جهة، وبين الحق والعدل من جهة أخرى!! سقط فيها الحق والعدالة.. وعلى الهواء مباشرة!!
