
وخلفان هذا.. شخصية من شخصيات الكاتب المسرحي “محمد الماغوط” وهي شخصية واقعية.. وحاضرة دوماً في أماكن عديدة وأزمنة كثيرة في عالمنا العربي.. وقد كان لحضورها في مسرحية “غربة” أهمية كبيرة باعتبارها أحد الأسباب الرئيسية وراء عجز أوطان كثيرة عن جعل النهوض الوطني واقعاً والإصلاح حقيقة لا حلماً.. وكما هو الحال في وطن أو ضيعة “دريد لحام” في تلك المسرحية.
وخلفان هذا باختصار.. إنسان بسيط كادح يؤرقه حال ضيعته المتردي.. وله رؤية مثالية لأمور كثيرة في مجتمعه.. إضافة إلى كونه متميزاً ثقافياً عن باقي أفراد الضيعة.
يذهب خلفان إلى المدينة في مهمة مكلفاً بها من قبل أهل ضيعته فيتيه وسط مغريات الوظيفة المرموقة وينسى هموم ضيعته وسط ضجيج المنصب واللقب.. لذلك فإننا نجد فيما بعد أن الجدة العجوز في المسرحية تطلب من مدرس الضيعة البسيط أن يعذرها عن شكها في نواياه الإصلاحية وتذكر له قصة “خلفان” فتقول إنه كان يتحدث بمثالية وصدق مثله تماماً عن الضيعة ومشاكلها حتى استقر وسط أثاثه المكتبي الفخم.. وانشغل بمراسيم الوظيفة الكبيرة.. عن الضيعة بأكملها وليس عن همومها ومشاكلها فقط.
تذكرت قصة خلفان هذه وأنا أتأمل الحماس المنقطع النظير من قبل نواب مجلس الأمة لتولي أكبر عدد من الحقائب الوزارية، ولعلها المرة الأولى في تاريخ الوطن الصغير التي يكون فيها التكليف الوزاري أساسه الرغبة في تحمل العبء وليس تكليفاً مبنياً على ما عهدنا من أسلوب أصبح شبه متفق ومتعارف عليه.
تأتي الوزارة الجديدة في ظل عودة التمثيل النيابي.. لتكون أول وزارة في مرحلة ما بعد كارثة الغزو إذا نحن استثنينا وزارة (الإنقاذ) التي شكلت بعد التحرير مباشرة تأتي هذه الوزارة محملة بأرث مرحلة طويلة من الضياع والمخاض وتكدس القوانين البالية العقيمة والتي أثبتت أحداث الكارثة سلبياتها وعقمها.. وما يعنيه ذلك بالطبع من زيادة في الأعباء والمهمات المنوطة بالوزير.
المواطن يدرك أن الوزير ليس ساحراً.. ولا هرقلاً، ويدرك أيضاً مشقة وصعوبة العمل تحت ظروف الوطن العصيبة الآن.. ولكن كل ما يأمله المواطن ممن تسلم مسؤولية الحقيبة الوزارية أن يكون مخلصاً وأميناً في التصدي لقضايا الوطن وأن يعمل بما يمليه عليه ضميره وما يتفق والصالح العام.
بالرغم من أن الوزير جزء من النسيج الحكومي وهو ملتزم إلى حد كبير في أغلب الدول بالوصايا والقناعات الحكومية وناطقاً عنها إلا أن للوزير في تلك الدول أيضاً الحق في التعبير عن رؤياه وآرائه الخاصة والتي لا تتجاوز المصلحة العامة، لذلك فنحن كثيراً ما نشهد استقالة أو اعتراض وزير ما على سياسة معينة إذا ما تعارضت تلك السياسة وقناعاته التي يؤمن وينادي بها.. استقلالية الوزير قضية هامة على الرغم من كل ما يمليه المنصب الوزاري من التزام بنهج الدولة العام وذلك لا يعني بالطبع أن على الوزير أن يكون معارضاً لكل ما يصدر من قرارات وإنما يعني أن الموافقة والحياد في كل الأمور وفي كل الأوقات أمر مشبوه بحد ذاته خاصة إذا ما سلمنا أنه لا توجد مناطق وسطى بين ما هو صالح وغير صالح للوطن وللمواطن.
قوة الوزير مستمدة من المواقف الفعلية التي يتخذها والإصلاحات الملموسة التي يجريها لا بالنوايا الحسنة والوعود الكريمة؛ فالنوايا الصادقة لا تبني المستقبل والعمل السياسي خاصة مسألة مقرونة بالنتائج وليس بالنوايا.. مهمة الوزير ليست في مجاراة النفاق العام ولا في إعطاء السلبيات معانٍ مختلفة حتى لا يكون أداة فتوى لتبرير ما يجب أن يدان وينفذ.
دور الوزير والوزارة أن يكونا في خدمة الوطن والمواطن.. وواجب الوزير هو في تذليل الصعوبات التي من شأنها أن تعيق المواطن وتعرقل مسيرة الوطن وتلك مهمة تعني تفرغاً تاماً لهذا الواجب الوطني وما يعنيه ذلك من حضور دائم للوزير سواء في مواقفه وقراراته أو في حضوره اليومي في مكتبه وعلى رأس وزرائه وحتى لا يقتصر عمل الوزير على قص شرائط أطباق الخير.. وتدشين الندوات وبالطبع فإن هذا الحضور اليومي يعني إلغاء للدور الذي تقوم به العيادات الخارجية أو ما يسمى (بديوانيات الاثنين).
يأتي التشكيل الوزاري هذه المرة بلون جديد.. خاصة في أعقاب الإنجاز الحضاري المتمثل في إدارة الحملات الانتخابية ونزاهة الانتخابات.. إلا أن جانبه الأهم أنه يأتي وسفينة الوطن قد امتلأت بالثقوب.. وأوشكت أن تغرق ولا سبيل إلى انتشالها إلا بإعادة قراءة المرحلة السابقة قراءة متأنية صحيحة.. فالسلبيات والأخطاء غالباً ما يكون تكرارها نتيجة لقراءات خاطئة والقراءة الجديدة التي نأملها من الوزير تتطلب أولاً وثانياً وآخراً إدراكاً للمرحلة السابقة ووعياً للوضع الراهن الذي يسود الوطن.. والعمل على ضوئهما معاً دون حاجة منه إلى خلق مناخ تفائلي كاذب ولا تشاؤمي يعيق العمل.
أهميتنا جميعاً كمواطنين وليس كوزراء فقط تتوقف على الأدوار التي نؤديها وعلى مدى اقتناعنا بحاجتنا للإصلاح والتغيير وهي حاجة لا نريدها أن تكون موقع شك أو جدال بين أفراد الوزارة الجديدة فهل ستكون وزارة تتصدى وبإخلاص للتغلب على الصعوبات والتحديات المهيمنة على دروب الإصلاح والتغيير أم سيأوي كل وزير إلى مكتبه الوثير المعبق برائحة البخور وبشبح خلفان؟!!
