الأرشيف

سارقة حليب الأطفال

[جريدة القبس 30/5/2022]

الخصخصة والضرائب، قضيتان شائكتان في الكويت، ما أن تُثار أي منهما إلا ويبدأ الجدل في المواقع الإلكترونية والصحافة الورقية والحوارات الجانبية.
وَرَدَ تصريح مؤخراً على لسان وزير التجارة، يقول فيه إن كل شيء في الكويت مُتاح للخصخصة، وأن دور الحكومة ينبغي أن ينحصر كَمُنَظّم فقط، مشيراً إلى أن برامج الإصلاح الاقتصادي لا تخلو من مبادرات تخصيص عدد من القطاعات والخدمات العامة للدولة بما يتلاءم مع القوانين السارية.
إشارة الوزير هنا تُعيدنا في التاريخ إلى عام 1976 حين صدر قانون عدم جواز الجمع بين العمل في القطاعين الحكومي والخاص. التاريخ هنا تقريبي، وقد يكون القانون قد صدرَ قبل ذلك العام، لكن من المؤكّد أن من أهم الدواعي لصدور هذا القانون ما شَهِدَته الكويت آنذاك من توسّع وتضاعف في عدد المستشفيات والمراكز الصحية الخاصة، والتي استقطَبَت حينها بعض الأطباء من القطاع الحكومي.
جاءت الخصخصة كمسار مُتَوَقّع وكنتيجة مباشرة لانتصار ومن ثم سيطرة النهج الرأسمالي، ولعل من أشهر برامج الخصخصة ما حدثَ للأصول المملوكة للدولة في روسيا مع تفكك الاتحاد السوفيتي في أوائل ومنتصف التسعينيات، مع ما حدث حينها من نقل ثروة كبيرة إلى مجموعة صغيرة من رجال الأعمال الروس الجدد. أما في بريطانيا فلا يزال الناس فيها يتذكّرون مشروع ريغان -ثاتشر، والمرأة الحديدية التي استطاعت إتمام عمليات الخصخصة منذ أواخر السبعينيات، حيث خصخصت ثاتشر كل شيء تقريباً من المناجم إلى المياه والمترو، مُتَحدّية الاعتراضات الشعبية ولتنتقل العدوى في ما بعد إلى أوروبا.
تَتَمَتّع الكويت بنظام شبه اشتراكي يَضمَن للمواطن كافّة الخدمات مع مجانيتها، وهو نظام يحرص الكويتيون دائماً على التمسّك به وعدم التفريط بمزاياه، لكن في الوقت نفسه عمل المواطن من حيث يدري أو لا يدري على تسهيل تَسَرّب الخصخصة بهيئات مختلفة. فعلى سبيل المثال يلجأ الكثير من المواطنين اليوم إلى مستشفيات وعيادات طبية خاصة بالرغم من جودة وكفاءة المؤسسات الصحية الحكومية في الكويت، فالمستوصفات المناطقية أصبحت توفّر أغلب أقسام العلاج مع تحويل المرضى أحياناً للمتابعة في المستشفى التابع لمحافظتهم عند الضرورة، لكن استعانة البعض بالمؤسسات الطبية الخاصة دفع وبشكل غير مباشر إلى شبه خصخصة للعلاج والمستشفيات في الكويت، التي تضاعفت أعدادها بشكل كبير جداً. الشيء نفسه حدث مع التعليم حين نزحت نسبة كبيرة من الطلبة إلى المدارس الخاصة، ثم إلى الجامعات الخاصة، رغم الكلفة العالية في خصخصة غير مباشرة لقطاع التعليم.
واليوم يشهد قطاع الترفيه تجربة مشابهة، فأغلب الجمعيات التعاونية والمجمعات الضخمة أصبحت تُخصّص مساحات كبيرة وهائلة للترفيه. وبعد أن كانت شركة المشروعات السياحية الحكومية هي الراعية للترفيه في الكويت، أصبحت الشركات الخاصة والراعية للمناسبات والحفلات هي المُشرفة على الترفيه في الكويت، وسواء كانت مشاريع الخصخصة عفوية ومدفوعة بتغيّر احتياجات ومطالب الناس، أم كانت مُدَعّمة بقوانين حوكمة اقتصادية أو غيرها، فإن انعكاساتها الاجتماعية على الطبقات المتوسطة وما دونها كارثية، فقد ازدادت على سبيل المثال الفجوة بين فقراء الشعب وأثريائه في بريطانيا بشكل جعل المواطن الإنكليزى يُطلِق على “ثاتشر” مُسمى “سارقة حليب الأطفال”، في إشارة إلى منعها للحليب الذي كان يُصرَف مجاناً لأطفال المدارس الإنكليزية.
الذي برّر لثاتشر مشروعها آنذاك كان يرى أنها وجدت الخزانة البريطانية مُنهَكة إثر حرب فوكلاند، ولم يكن أمامها طريق آخر، لكنها بقيت في نظر الكثير من البريطانيين مُتّهمة بتدني التعليم والقطاع الصحي بعد أن رفعت الحكومة الدعم عنهما.
إذا كانت تجارب الخصخصة في دولة كبريطانيا قد واجهت من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية ما قد لا يُحصى؛ فإن تجربتنا مع أي مشروع خصخصة لن تكون بلا متاعب أو تداعيات خطيرة.
في حديث له أشار الخبير الاقتصادي جاسم السعدون إلى أن الاقتصاد بشكل عام هو علم تصقله الأبحاث، وهو قطعاً ما نفتقده اليوم في الحديث عن الخصخصة، وقول وزير التجارة إن دور الحكومة يجب أن ينحصر في التنظيم فقط هو قول يصطدم بواقع يُشير إلى أن الحكومة بقطاعاتها هي من يملك الدولة ومواردها، وبالتالي فإن تفكيك مثل هذا الارتباط لا يمكن أن يأتي من خلال تصريح.
تجارب الخصخصة حتى الآن أدخلت العالم في متاهة اللاعدالة وبشكل مُفرط، وبقيت معه دول، مثل روسيا وبريطانيا، حائرة بين رفاهية الخاص وعدالة العام.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى