غير مصنف

سادية “الجزيرة”

[جريدة القبس 4/2/2003]

أثار عرض “قناة الجزيرة” مشاهد تصور القتلى والأسرى الأمريكيين، غضب الكثير واستياءهم وحسرتهم على واقع الإعلام العربي المتردي والتعيس! الغضب كان بسبب استهتار “قناة الجزيرة” بمشاعر المشاهدين الذين كان من ضمنهم الكثير من الأطفال نظراً لكون عرض تلك الصور قد جاء في فترة مبكرة من المساء يكون فيها الأطفال أمام شاشات التلفزيون متابعين لحركة الأخبار مع أهلهم!
أما الاستياء فمصدره أن “قناة الجزيرة” قد ضربت عرض الحائط بالاتفاقات الدولية حين عرضت تلك المشاهد وساهمت مع النظام العراقي في اختراق ومخالفة معاهدة جنيف، التي تنص على احترام جرحى وأسرى الحروب، وضرورة تعريف قتلى المعارك الحربية وإخطار ذويهم بذلك، وعدم التعرض للمستشفيات وغير ذلك من نصوص التعامل في فترات الحروب!
وكما أثار نهج “قناة الجزيرة” هذا غضب واستياء الكثير، فقد أثار أيضاً حسرتهم وحزنهم على واقع الإعلام العربي في زمن الانفتاح الإعلامي وسهولة الاتصال والتواصل بين المؤسسات الإعلامية في عالمنا الحاضر!
فعلى الرغم من تحرر المؤسسات الإعلامية من نفوذ الأنظمة السياسية وسيطرتها، وبالرغم من خصخصة الإعلام في شتى أنحاء العالم! إلا أنه لا يزال عبداً لنزوات العسكر والساسة في أنظمة الدول العربية المتهالكة! ولا نستثني من ذلك أي قناة إعلامية عربية، بما في ذلك “قناة الجزيرة” التي تأتي على أول قائمة “رقيق الرأي” الذين تعج بهم استديوهات ومكاتب قناة “من لا رأي لهم”!
لم يساورنا الشك يوماً في طبيعة انتماء “قناة الجزيرة” ولا في هوية سادتها الحقيقيين! ولم نتوقع منها – خاصة نحن في الكويت – أن تقف في صفنا أو حتى أن تكون حيادية تجاه أي قضية تمس الكويت! لذا فإن موقفها تجاه الكويت في أزمته الراهنة كان موقفاً متوقعاً منها! لكن الذي شكل عنصراً للمفاجأة والاستياء معاً هو أن تكون “قناة الجزيرة” بوقاً في حنجرة الدكتاتور العراقي، وسيفاً بيده موجهاً إلى أهله وناسه، وأن “تتنازل” الجزيرة عن شعارها الثوري بكونها قناة من لا رأي لهم وتمتنع عن مناصرة الشعب العراقي المسكين في محنته! تقدم للعالم العربي وجه العراق من وجهة النظر الصدامية، وتتجاهل وجهه الآخر المخضب بدماء أسالها سيف الطاغية وآلام غطت كل الوجوه العراقية، ورسمت عليها أخاديد من العنف والبطش والإرهاب بفعل يد البعث الغادرة! لم تقدم “قناة الجزيرة” وجهاً واحداً من وجوه الخمسة ملايين عراقي الذين شردهم صدام حسين وحزبه الحاكم، من الذين يتعطشون لقناة عربية تتبنى قضيتهم المؤلمة، وصوت عربي وطني يترجم رأيهم الذي اغتصبه صدام حسين وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود عجاف! لم تستعرض “الجزيرة” مجازر ثلاثة ملايين عراقي عبثت بدمائهم آلة البطش البعثية! ولم تتحدث قناة الجزيرة عن ظروف تشتت علماء العراق وأدبائه بعد أن حاصرتهم جريمة حزب البعث، فيدفن الجواهري في دمشق، وتقرأ الفاتحة على بلند الحيدري في لندن وغيرهما كثيرون!
قد لا يكون من حقنا أن نأمل بقناة إعلامية عربية متحضرة وموضوعية في طرحها ونهجها، ونحن لا نزال كعالم عربي مرتعاً خصباً لظهور الأنظمة السياسية الدكتاتورية المتسلطة وتناميها! ولا يمكن أن نتوقع من “قناة الجزيرة” الموضوعية والطرح الإعلامي الجاد والمتبني لقضايا المواطن العربي الحقيقية، ونحن لا نزال نسعر المثقفين ونرشو أصحاب الرأي، ونقتل المعارضين جهراً برأيهم إن خالفنا أو تعارض مع منهجنا!
“قناة الجزيرة” إذن هي جزء من ثقافة الدكتاتورية والعنف السائدة في أنظمة الحكم العربية! وإذا كان صدام حسين قد قتل ثلاثة ملايين عراقي، وهجر خمسة ملايين آخرين، فإن “قناة الجزيرة” قد قتلت ملايين العقول العربية، وشردت ملايين أخرى من الآراء والرؤى! وشوهت الكثير من الحقائق والمبادئ والأعراف الدولية والأخلاقية! فلا عجب إذن أن تتلذذ “الجزيرة” بعرض أشلاء لضحايا حرب بأسلوب سادي لا يختلف عن سادية وتلذذ صدام حسين في إبادته لملايين من أهل العراق الحر!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى