القضية الفلسطينيةملفات ساخنة

رهان بن غوريون.. الكبار يموتون والصغار ينسون

رهان بن غوريون.. الكبار يموتون والصغار ينسون

لم تهدأ ساحة المعارك يوماً منذ فجر السابع من أكتوبر، كَبُرَ المشهد وتعقّد مع ارتفاع حدة القتال ومع تضاعف أعداد المدنيين العزّل الذين سقطوا جراء آلة القتل الصهيونية.
ومع استمرار الصمت العربي يتساءل الكثير حول ميزان التكافؤ بين جيش الاحتلال المُجهّز بأحدث تقنيات الحروب والمدعوم من قِبَل أمريكا ودول الغرب كلها، وبين أدوات المقاومة الفلسطينية الباسلة التي تحقق انتصارات تهز الكيان الصهيوني على تواضع عدتها وتجهيزها العسكريّ، بالمقارنة وغياب الدعم الخارجي عنها، لكن من المؤكد أن انطلاق صفارات الإنذار في تل أبيب هو أشبه في أثره بسقوط قنبلة فوسفورية على غزة، بينما رشقات صاروخية على سديروت أو عسقلان تثير من الرعب والخوف والهلع أضعاف ما تثيره قنابل الكيان العنقودية وبراميله المتفجرة فوق غزة وأحيائها.
أرادتها إسرائيل والغرب حرب إبادة لغزة، فارتد الأثر عليهم وتحوّلت إلى حرب إفاقة، حيث أخرجت حرب غزة جيلاً من الشباب العربي الذي تصورناه بعيداً عن القضية الفلسطينية ببعدها العربي وعمقها الإنساني، فإذا به يتفوق على المخضرمين في حماسه ودعمه وارتباطه بقضية شملت وتشمل تداعياتها كل الأمة العربية وليس فلسطين وحدها، فإسرائيل لا تنظر للدول العربية منفصلة، بل تراهم جميعاً عدواً واحداً تجب مقاومته وقتله، وعلى الرغم من كل نماذج الخذلان العربي المتمثّلة في مبادرات سلام وتطبيع سعت لبتر القضية الفلسطينية عن حاضنتها العربية، إلا أنها استيقظت في وعي جيل شبابي كنا نظن أنه بعيد كل البعد عنها، هذا الجيل الذي يرفض اليوم أي مبادرة سلام لا تضعهم في الاعتبار، وما التداعي الشعبي العربي، الذي تغلب العناصر الشبابية صفوفه لنصرة أهلنا في غزة المحاصرة، إلا خير شاهد على مثل هذا، فهم في النهاية يرونها نصرة لكل أرض عربية، ولكل مستقبل وأمن عربي حقيقيين.
راهن بن غوريون سابقاً على عامل الذاكرة حين قال مقولته الشهيرة “الكبار يموتون والصغار ينسون” ولو كان بن غوريون بين الأحياء اليوم لشَهِدَ سقوط مقولته تلك، فالشباب العربي اليوم، والذي جاء إلى الدنيا بعد النكبة والنكسة بل وحتى بعد حرب أكتوبر وانتفاضة الحجارة، هو من يحتل الشوارع العربية وهو من يبث الحقيقة عبر وسائل الإعلام التي لم تعد ملكيتها حكراً على المؤسسات الإعلامية الضخمة والثرية، بل أصبح كل شاب وشابة بمنزلة منصة إعلامية تبث من داخل غزة ومن خارجها لِتُطلِع العالم على حقيقة ما يحدث، بعد أن حجَبَت وسائل الإعلام الغربية حقائق كثيرة لدماء وآلام سالت في طرقات غزة وشوارعها ومستشفياتها.
خسر بن غوريون الرهان إذاً، فالذين لم يعاصروا النكبة ولا النكسة عاشوا في مخيمات الأونروا، وتحت قصف الكيان الصهيوني المتواصل، وحصاره المستمر وقمعه ومنعه عن الفلسطينيين أبسط مقومات الحياة الكريمة، خسر بن غوريون رهانه لأن الشباب العربي اليوم هو من يُدير المعركة، عسكرياً داخل غزة، وسياسياً وإعلامياً خارجها، يقاطع ويتحدث وينشر ويكتب الحقيقة التي تَصوّر بن غوريون يوماً أنها ستسقط من الذاكرة.
خسر بن غوريون رهانه لأن الشباب الفلسطيني الذي جاء إلى الدنيا سنوات طويلة بعد رحيله، هو من حفظ قرى الخليل، وأزقة البلدة القديمة في القدس، وأبواب الأقصى، هو من وقف في نابلس ومناطق جنين مسترجعاً أسماء المخيمات والسجون، وحافظاً لذكرى الشهداء والأسرى. هؤلاء هم من يقودون المعركة اليوم يساندهم فيها شباب عربي من كافة الأمة العربية إعلامياً ومعنوياً ومالياً وسياسياً رافعين شعاراً يقول بأنهم ليسوا متضامنين مع القضية بل هم أصحابها.
اليوم بلا شك تتضح الرؤية أكثر ونستطيع أن نقول وبثقة أن الفلسطينيين والشباب العربي معهم قد ربحوا الرهان، بينما خسره بن غوريون. فلقد مات الكبار حقاً لكنهم خلّفوا صغاراً بذاكرة حديدية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى