الأرشيف

رمضان بدون خيام!

[جريدة القبس 26/12/1999]

يأتي القرار الصادر عن المجلس البلدي بمنع الخيم الرمضانية ليؤكد درجة العشوائية التي أصبحت عليها القرارات الصادرة، تنظيمية كانت أو تشريعية، فالقرار الصادر لم يضع في الاعتبار المتضررين من هذا الإجراء الذين سبق واستندوا بدورهم إلى تصريح يسمح لهم بإقامة تلك الخيم.
ففي حديث لأحد أصحاب المطاعم والمقاهي المتضررة، قال فيه إنه وغيره قد دفعوا إيجارات، وعليهم التزامات مالية لمصاريف الخيام الرمضانية، خصوصاً أن الموسم لا يتعلق بشهر رمضان فقط، وإنما يمتد خلال فصلي الشتاء والربيع، وبالتالي، فإن على هؤلاء التزامات ثابتة تتجاوز آلاف الدنانير مع ما يعنيه قرار كهذا من دخولهم في متاهة الخسائر والتخلي عن العمالة، هذا بالإضافة إلى أن قرار منع الخيم لا يستند إلى لائحة أو قانون وإنما يرتكز على رأي شخصي من مدير عام بلدية الكويت.
لا نريد التكرار بأن قراراً كهذا يتناقض مع مبدأ الحرية بشكل عام وأن الحق الذي أتاح لأولئك المعارضين السعي لمنع الخيم الرمضانية، يجابهه في المقابل حق الراغبين في الاستمتاع بأجواء مسلية لهم ولعائلاتهم في رمضان، خاصة أن هذه مسألة أشبعها الجميع عرضاً وحديثاً وكتابة، لكن من الضروري إعادة تذكير أولئك الذين “ناضلوا” في سبيل المنع بأن مشروعهم بمحاربة “الفساد” أصبح مكشوفاً وزائفاً، وأنهم قد تسببوا وبشكل مباشر في تضليل المواطن وتراجعوا بالفساد كقضية مدمرة وخطرة ليصبح مجرد حفلة غنائية أو مطربة زائرة، أما المفسدون فقد تحولوا بفضل هؤلاء ليصبحوا مجرد رواد طرب وغناء، ودعاة فرح وبهجة.
إنه فعلاً لأمر مخجل ومؤسف أن لا تصدر عن أي من عناصر التيارات الدينية، وقياداتها أي إشارة أو تلميح لقضايا الفساد الحقيقية، فلم نسمع أن أياً من هؤلاء قد ندد ولو لفظياً بسرقات المال العام، ولا أشار ولو خفية وتلميحاً إلى قضية الناقلات أو الاستثمارات أو حتى السرقة الأخيرة من أموال التعويضات.
وإذا كان المخلصون لهذا الوطن ولأهله قد تناولوا تلك القضايا وحملوا على أكتافهم وبأقلامهم مسؤولية الدفاع عن الحق العام، وملاحقة سارقي المال العام، وبصورة مكنت القضاء الإسباني والقضاء الإنكليزي من الحكم للصالح الكويتي، وهم بذلك في غنى عن “نضال” التيارات الدينية السياسية، إلا أن الأمر هنا لا يخلو من المخاطر التي تستدعي الحيطة والحذر، فتنازل هؤلاء عن قضايا فساد واضحة وبينة بمنطق الدين والعقيدة قبل منطق القانون والأخلاق يربك الوعي بالخطأ والصواب عند المواطن، ويتراجع بمفهوم الفضيلة والفساد ويناقضه.
من الواضح أن للفساد عند معارضي الخيم الرمضانية مفهوماً خاصاً يجعل من “النضال” على جبهة الغناء والحفلات نضالاً مشروعاً ومباحاً، بينما تنتفي شروط الشرعية والإباحة بما يتعلق بنضال ومجابهة سماسرة السرقات ومغتصبي الحق العام، وإذا كان المواطن قد سئم ذلك الطرح الأجوف، وتلك المراوغة التي طالما تبناها أقطاب الإسلام ورموزهم، فإن الوقت قد حان لإعادة بناء ما هدم هؤلاء من وجه الإسلام المشرق، ونهجه القويم والرفيع، خاصة بعد أن تراجع الإسلام على أيديهم، وتراجعوا بأولويات الدين والعقيدة لتصبح مجرد صراعات سياسية ونزاعات مراكز قيادية، وللذين يشككون في حقيقة ذلك أو ينكرونه، ما عليهم سوى أن يستعيدوا استجوابات نواب التيار الديني ويقفوا على أسباب تلك الاستجوابات، والتي كان آخرها تهديدهم باستجواب وزير التربية لعدم تطبيق الفصل في الجامعة.
باختصار شديد، المسألة هنا ليست منع خيام رمضانية أو غير رمضانية، وإنما هي في ذلك التهميش المؤسف لقضايا الوطن الحرجة والحساسة في مقابل التشنج والزعيق مع قضايا لا تخدم حاضراً ولا مستقبلاً وإن كانت قد أنجزت رمضان بلا خيام.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى