الأرشيف

رمضان الكورونا

[جريدة القبس 28/4/2020]

يأتي رمضان هذا العام بنكهة مختلفة، فصلوات المساجد معلّقة والزيارات محظورة، فلا صلاة تراويح في ساحة الحرم المكي والتي خلت من المصلين في مشهد لم يحدث في التاريخ الحديث.
قد تكون هذه هي المرة الأولى التي يحل فيها رمضان والناس في جميع الدول الإسلامية معتكفون في بيوتهم، ولعلها تكون فرصة في هذه الظروف الاستثنائية لاسترجاع الحكمة الحقيقية من ممارسة الصيام، والتي تقول إن الصيام هو امتحان لإرادة البشر ورياضة روحانية لتهذيب الجسد وكبح جماح نزعاته الدنيوية.
لم يغير كورونا ملامح الصيام في رمضان فحسب، بل امتد أثره ليشمل سائر الشعائر الدينية والصلوات الجماعية، مع دعوة الزعامات الدينية لتأدية مسؤوليتهم القانونية في إعلاء مصالح المجتمع.
لقد أتت الأديان بهدف ترويض غرائز الإنسان ونزعته المادية، مستدعية طاقة وهالة روحانية كامنة في كل نفس رطبة، والإسلام هنا ليس استثناء، لكن ما يحدث للأسف على أرض الواقع هو إخلال بذلك المغزى السامي والجميل، وذلك حين أغرقنا الشعائر بالماديات الدنيوية، بينما الصيام مثلاً فرصة لتهذيب النفس وتنقية الروح ومدها بالطاقة الروحانية، غير أنها تحوّلت للكثيرين إلى مناسبة اجتماعية للتباهي بالموائد والهدايا والإفراط في الأكل، تماماً كما حوّل البعض شعيرة الحج التي يفترض أن يكون الناس فيها سواسية كأسنان المشط إلى موسم تبرز فيه درجات ومراتب الناس وبشكل مفرط، فيسكن البعض فنادق فخمة قد تكفي تكلفتها إطعام قرية كاملة، بينما يلتصق الفقراء بقاع الأرض، وليختفي بذلك مبدأ السواسية الذي يأتي في قمة أهداف هذا التجمع البشري الكبير.
قد يكون في رمضان كورونا فرصة لممارسة الصيام بروحانية أكثر، تجعلنا كبشر أكثر من مجرد أجساد تائهة في عالم المادة!
في رمضان لهذا العام، لن يكون الإسراف الذي اعتدناه هو السائد، وستتغير حتماً عاداتنا الاستهلاكية بحكم الظروف، ولن تكون مظاهر البذخ والمباهاة في الزيارات حاضرة كالمعتاد لأسباب تتعلّق بقيود الحركة والتنقل، لذلك فهي فرصة أمام الجميع لاستعادة عبرة وقيم رمضان الروحانية التي تستهدف الروح لا الجسد، فنمارس بذلك الصيام الذي مارسته العديد من الأديان في رحلة التنوير واكتشاف الذات الكامنة في كل منا.
كل عام والسلام يعمّ العالم بأسره، وكلّ رمضان والجميع بخير وصحة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى