غير مصنف

رفض الدولة… وإعلان “دولة الجماعة”!!

[جريدة الطليعة 11/3/1998]

قد لا يقل الاتفاق الذي وقعه “كوفي عنان” عن الأمم المتحدة مع نظام بغداد الحاكم خطراً وحساسية عن كارثة الثاني من أغسطس. فعلى الرغم من سمة (الانفراج) المؤقت التي حملها التوقيع لنا في هذا الوطن على وجه الخصوص، إلا أنه ولا شك قد عزز من تلك الرمادية والغموض اللذين أصبحا من سمات أي قراءة في مستقبل المنطقة بوجه عام!!
لذا فإننا وفي ظل ظروف كهذه تتعلق مباشرة بكينونتنا المستقبلية، وفي هيئتنا كدولة، وفي كياننا كنظام سياسي واجتماعي واضح الملامح. فإن الأمر قد أصبح يتطلب منا إصراراً أكبر على التمسك بمكتسباتنا السياسية، وبمؤهلاتنا التي طالما ميزتنا عن دول المنطقة بوجه عام، وبكل ما يصب ويساهم في شكلنا وهيئتنا كدولة وكنظام مستقر وثابت، ومحدد الملامح والهوية لا شك أن المتابع اليوم للقلق الذي أصبح مسيطراً على مناخنا السياسي بوجه عام، وعلى العلاقة بين السلطتين مؤخراً، يدرك مدى حاجتنا لتثبيت تلك المكتسبات الحضارية والإصرار عليها، حفاظاً على كياننا كدولة، ووجودنا كشعب!!
ففي تعليق لأحد الزوار الأجانب عن مشاهداته التي لمسها خلال زيارته للكويت، يقول ذلك الزائر، إن الكويت على الرغم من حجمها وتعدادها الصغيرين، إلا أنها تحمل ملامح ومؤهلات دولة أكثر بكثير من غيرها من دول المنطقة. حيث يتجسد فيها نظام سياسي واضح، أخذ في النضوج، ومؤسسات بدأت في فرض دورها وممارسة أدائها بصورة ملموسة. ونظام ديمقراطي، وانتخابات نزيهة وجادة. وتلك كلها دلالات تشير إلى خروج هذه الدولة الصغيرة، وعلى حد تعبير ذلك الزائر من دائرة القبيلة إلى حضرة الدولة الحديثة!!
أزمة الاستجواب الأخيرة تؤكد أن هناك معوقات أساسية لاستمرار ذلك النضج الديمقراطي، وهي معوقات يرفعها أفراد يفترض أنهم ممثلون لذلك الأداء الديمقراطي، ومعبرين عنه.
فبالإضافة إلى أن الاستجواب يحمل ما يحمل من طرح هامشي خاو من أي مصلحة وطنية صادقة، فإنه كذلك يدفع بالتعاون المطلوب بين السلطتين إلى طريق مسدود. قد ينعكس سلباً على الأداء الديمقراطي، وعلى الخريطة السياسية بوجه عام!!
لا يدعي أحد أن الديمقراطية تعني الاتفاق التام، والانصياع الأعمى لكل ما يطرحه الآخرون من رأي وفكر!! غير أنها وبكل تأكيد تعتبر تعبيراً حضارياً وراقياً في أسلوب إدارة الخلافات، وفي طرق حسم الاختلافات!!
وهو بكل تأكيد ما لا يسعى إليه مقاولو استجواب وزير الإعلام!! بعد أن دفعوا بالتعاون بين السلطتين إلى محطة مقطوعة يعلمون هم قبل غيرهم مدى انعكاساتها الخطيرة على مستقبل وأداء الديمقراطية في هذا الوطن!!
هنالك ولا شك خطر على الديمقراطية كنهج، والأداء البرلماني كتعبير عن ذلك النهج، وهو خطر يتطلب يقظة من المواطن ووعياً في سبيل الحفاظ على تلك المكتسبات التي طالما ميزته عن سواه في دول أخرى مجاورة!! وهو خطر أصبح متكرراً بصورة تدعو إلى القلق، يدعو إليه ويدفع به في كل مرة نواب التيار المتأسلم من خلال أطروحاتهم الهامشية والتي طالما سلبت المجلس دوره الرئيسي في رعاية الصالح العام!! فتارة يفتعل هؤلاء قضية النقاب، وأخرى قضية الاختلاط، وثالثة (معضلة) الحفلات والغناء!! وجميعها قضايا لا يجادل أحد في هامشيتها!!
لقد أكدت التيارات المتأسلمة من خلال أداء ممثليها في المجلس، أنها من المعوقات الأساسية للمسيرة الديمقراطية في هذا الوطن!! فإلى جانب أطروحاتها الهامشية والهزيلة التي طالما عرقلت أداء المجلس، فإن نواب التيار المتأسلم يمارسون استغلالاً واضحاً للمنصب النيابي، من خلال توظيف مؤيديهم وتسهيل معاملاتهم، حتى أن العاملين في مجلس الأمة يتحدثون دوماً عن تلك الجهود المكثفة التي تتحملها سكرتارية هؤلاء النواب في سبيل تخليص المعاملات، وتسهيل الإجراءات لأنصارهم وأعوانهم، بل حتى في التدخل لدى السلطات الأمنية كمخافر الشرطة، لطلب العفو لمتجاوزي القوانين المرورية خاصة!!
ولعل ما يدفع بتيار الإسلام السياسي إلى ذلك الإنحراف عن النهج الديمقراطي هو عدم اقتناعه بالديمقراطية كأساس في بناء الدولة الحديثة!! فالدولة لدى هؤلاء هي في بقاء الجماعة واستمرارها، حتى وإن كان في ذلك هضم لحقوق الفرد وحرياته!!
إن استمرار الأداء المتدني للمجلس، والذي يتحمل وزره نواب التيار المتأسلم، لا يشكل خطراً على تجربتنا الديمقراطية وحسب، بل على هيئتنا كدولة حديثة!! لذا فإن الاعتراض على استجواب وزير الإعلام، ليس اعتراضاً شكلياً مبعثه اختلاف في الرأي. وإنما هو اعتراض على سياسة السير إلى الوراء، والعودة إلى خيمة القبيلة!! وتلك كلها جهود متواصلة لنواب الإسلام السياسي، تفضحها ممارسات رديئة كافتعال الوطنية في (ملحمة) الاستجواب، وتحمل في باطنها رفض للدولة، في سبيل إعلان قيام دولة الجماعة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى