الأرشيف

رفاهية الاكتئاب

[جريدة القبس 10/2/2024]

كتب الزميل حسن العيسى مقالاً في جريدة “الجريدة”، يتحدث فيه عن الضجر الذي وصفه بأنه ليس صفة ذاتية للنفس البشرية، وإنما هو حالة لهذا العالم، وللحياة الاجتماعية الغارقة بالملل.
يقول الزميل حسن العيسى إن الضجر شعور طاغٍ بعدم الجدوى في نهاية الأمر، عدم الجدوى فيما تحاول أن تغيّره، أو أن تحقّق نتيجة ما بفعلك مثلاً، لا جدوى مما يَكتب ويتحدّث به كثيرون عن البيروقراطية وهيمنة السلطة الإدارية المتغطرسة في إدارات الدولة.
أعادني حديث الزميل حسن إلى فلسفة آرثر شوبنهاور، الذي كان يرى أنه مهما ابتسمت لنا الحياة، فعلينا الاستعداد لقبول الشقاء الذي تُحضّره لنا.
دوّن آرثر شوبنهاور رحلاته في يوميات جمعها في كتاب بعنوان “يوميات السفر”، جمع فيها كل ما رأته عيناه وما انطبع في ذهنه من أحداث، لكن ما كان يُثير آرثر شوبنهاور أكثر ليس ملامح الفرح والمتعة في السفر، بل مشاهد التعاسة والمعاناة، مما يُظهِر أهمية سؤال الشقاء في فلسفته.
بعض زملائه الفلاسفة كانوا يرون أن تشاؤمه ليس صادراً عن إحساس نفسي، ولكن عن موقف فلسفي، فهو لم يكن يعاني من الاكتئاب مثلاً، وإنما أراد من خلال فلسفته أن يذكّر بأن العالم الذي نعيشه عبثي ولا معنى له، ولا يمكن تبريره بحجج عقلية.
نعود إلى الزميل العزيز حسن العيسى، والذي يقول شيئاً مشابهاً، بأن الضجر واللا جدوى هما حالة صحية، وإذا كنت تعانيها فلا عيب فيك، وإنما في عبث الحياة هنا، وليسمح لي الزميل العزيز حسن العيسى بأن أختلف معه، فحالة الضجر والملل هي من سمات رغد العيش لا العكس، وكلما هدأت الحياة وساد الأمن، وأصبحت سُبُل العلاج والعمل والسكن متوفرة أو سهلة الوصول، يتسلل الملل، ومعه يتوافر الوقت والطاقة للتمعّن والتفكّر في جدوى الحياة، والبحث في الكتب والروايات عن سرديات مُقنِعَة تُبرّر الوجود وتُفسّر الظواهر، وتشرح ما يعجز العقل عن استيعابه وهضمه.
لم تكن رفاهية التحليل والبحث في جدوى الحياة وأسرار الموت متوافرة أو مُتاحة إبان مرحلة الغزو، الكل كان مشغولاً بتأمين سلامة أهله، ومهموماً بتوفير مقومات العيش، سيطرت أجواء الحرب القادمة والغزو المرابط على الأبواب، ولهب الصواريخ والقذائف والنيران، بحيث أصبحت هي الهاجس الأكبر، بل الوحيد، ومعه اختفت هواجس ومخاوف وأعراض أخرى تصورناها لن تزول، اختفت حينها بعض الأمراض السيكوسوماتية، وغاب معها الصراع النفسي داخل الذات أو مع الغير، انشغل الجميع بأجواء الحرب، وتلاشت الحاجة للفلسفة في مقابل مواجهة عقلانية مع الواقع وأحداثه. حينها سيطر الواقع بتفاصيله على كل هم أو هاجس آخر.
اختتم الزميل حسن العيسى مقاله ذلك مستعيناً بمقولة المتنبي الخالدة، والتي يقول فيها: “ذو العقل يشقى في النعيم بعقله.. وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم”، وقد تصح حكمة المتنبي هذه على من لا يملك شيئاً يخاف عليه، وهو أمر رصدته إحدى مراكز الدراسات إبان أزمة 2008 المالية، حيث أكدت دراسة في هونغ كونغ، استخدم فيها الباحثون ما يُسمى بمؤشر السعادة، ورصدوا زيادة سعادة الطبقة الفقيرة، التي تعيش بدخل شهري أقل من 1100 دولار، بنسبة ٪4.8، في مقابل تراجع الشعور بالسعادة عند أصحاب الدخول العالية، أو التي يزيد دخلها على ثلاثة آلاف دولار شهرياً، حيث كانوا أقل سعادة بنسبة ٪3 عن الأشهر التي سبقت الأزمة.
الضجر والملل والشعور بعدم جدوى ما نفعله ونقوله، كلها تراكمات يكون حضورها طاغياً كلما زادت رفاهية المجتمع، وتضاعف مؤشر الوفرة، سواء مادياً أو زمنياً أو اجتماعياً، فأغلب الدراسات تُشير إلى أن الاكتئاب والتذمّر والشكوى والملل كلها تظهر في طبقات المجتمعات الراقية والمثقفين والأثرياء، بينما نادراً ما نجد ذلك في طبقات الجهلاء والبسطاء والفلاحين، لأن هؤلاء وببساطة لا يملكون رفاهية الاكتئاب.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى