ملفات ساخنة

رصاصات الشيخ القطان

رصاصات الشيخ “القطان”

من عادة تيار الإسلام السياسي مهاجمة خصومه من خلال اتهامهم بالتعدي على الدين والعقيدة أو إهانة الإسلام ورسوله محمد c. فلم تصدر رواية أو كتاب لكاتب يختلفون معه إلا وارتفع صوتهم مهاجماً ومتهماً ذلك الكتاب بالتطاول على الدين، ولم ينشر كاتب مقالاً أو تعليقاً أو كاريكاتوراً إلا ونشط هؤلاء يبحثون في مابين السطور عن إدانة يعلقونها في رقبة من يختلف معهم.
ولعلَّ المؤسف هنا أن أقطاب الإسلام السياسي لا يدركون بأنهم كثيراً ما أساؤوا للإسلام وللعقيدة بتصرفاتهم وتوجهاتهم تلك!! أما الجانب المخيف حقاً فهو في ذلك الاحتكار للدين والذي أصبح واضحاً في أطروحات أهل الإسلام السياسي وهو احتكار جعل من الدفاع عن الإسلام وحفظه قصراً على هؤلاء ومحظوراً على من لا ينتمي لتياراتهم السياسية المتأسلمة!!
يحدث الشيخ “القطان” في محاضرته الآباء قائلاً: “لنرب أبناءنا على الجندية والجهاد ولنغرس فيهم بغض اليهود والنصارى والكافرين”. وهو بذلك يسيء للإسلام إساءة بليغة لأنه أولاً يناقض مبدأ وركناً أساسياً في الإسلام ألا وهو الإيمان بكل ما أُنزل على موسى وعيسى!! خصوصاً وأن القرآن يتحدث وفي أكثر من آية عن هذا الترابط الواضح بين الأديان والكتب السماوية الثلاثة، وقد جاء ذلك صراحة في سورة آل عمران: ﵟنَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٣ مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِﵞ ﵝآل عِمۡرَان : ﵓ – ﵔﵜ a، فلقد أعطى الله موسى عليه السلام تسع آيات بينات، Fﵟوَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا ١٠١ﵞ ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵐﵑﵜ a.
كما وهب الله عيسى عليه السلام بينات لذلك فقد قال: F ﵟوَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِﵞ ﵝالبَقَرَةِ : ﵗﵘﵜ a.
ومن هنا فإن دعوة الشيخ “القطان” إلى ضرورة غرس البغض في نفوس الأبناء لليهود وللنصارى تحمل تناقضاً كبيراً مع روح الدين ودعوة الإسلام الصريحة إلى وجوب الإيمان بدين موسى وعيسى!!
إن الحمية للدين والخوف على الإسلام من الوقوع في متناقضات السياسة ومطباتها وعثراتها هي الدافع الأول والوحيد من وراء الغضب والاستياء الذي خلفه حديث الشيخ “القطان” في نفوس الكثير من الأهالي آباء وأمهات. فالدعوة المتناقضة مع روح الإسلام والتي أطلقها الشيخ “القطان” ستربك أبناءنا الذين سيقعون حتماً في دائرة نبذ الآخرين وإنكار دياناتهم وكتبهم بصورة تثير لدى النشء عصبية عمياء تضر بالإسلام وبالمسلمين.
قد نقدر للشيخ الفاضل نصرته لقضية القدس وحماسه في الدفاع عن دور الإسلام وحقه في هذه المدينة المقدسة. لكننا نستنكر عليه، وهو رجل الدين المتمرس، ذلك الهجوم على الأديان السماوية الأخرى، ونبرة العنف التي سادت كلماته وحديثه!! خصوصاً وإننا في أمس الحاجة اليوم لطرح إسلامي ناضج وعقلاني بعد أن أصبح الإسلام وبكل أسف عنواناً للإرهاب بسبب ممارسات البعض البعيدة كل البعد عن الدين وسماحته.
إن أمام رجالات الدين اليوم واجباً يتركز في ضرورة التهدئة وعدم تأجيج نار التطرف التي أصبحت سائدة في مجتمعنا الإسلامي!! فلا يجب أن يؤيد هؤلاء أي شكل من أشكال التطرف الديني مهما كانت أشكاله أو دوافعه، وتلك بحد ذاتها خطوة تتطلب ذكاء وحنكة نأمل أن يتحلى بها شيوخ الدين الأفاضل وأن يستعينوا بتجارب الآخرين. فعلى سبيل المثال عندما قام عضوان من جهاز الإخوان السري باغتيال القاضي المصري “أحمد الخازندار” في مارس 1948 صرح المرشد “حسن البنا” مؤسس الحركة قائلاً: “إن هذه الرصاصات إنما انطلقت في صدري”!!
نحن إذاً لا نلوم الشيخ “أحمد القطان” على حماسه لنصرة القدس وأهلها. وإنما نناشده أن يتحلى بشيء من الذكاء في الخطابة والكثير من الحنكة في الدعوة!! وأن يصوب رصاصاته في الاتجاه الصحيح!!
وفقنا الله وإياه لخدمة هذا الدين العظيم، وألهمنا وإياه اللين والحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة للإسلام.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى