الأرشيف

رجل الدين لا الدنيا

[جريدة القبس 11/1/2005]

في أحد البرامج الدينية التي تبثها إحدى الفضائيات العربية، يجيب أحد شيوخ الدين عن أسئلة يوجهها إليه المتصلون، ضمن أسئلة حلقة الأسبوع الماضي سؤال حول التصوير، ومدى شرعية استخراج صورة شخصية للاستعمال في الوثائق الرسمية، خصوصاً للمرأة! حيث أكد الشيخ شرعية ذلك، بل وضرورته لإثبات الهوية. وفي سؤال آخر يسأل أحدهم عن إمكان سفر المرأة من دون محرم وخاصة إذا كان لتأدية فرائض مثل الحج والعمرة، وأيضاً يجيب الشيخ مؤكداً جواز ذلك وشرعيته، مستشهداً بأقوال وحوادث من زمن الصحابة، ثم يسترسل الشيخ في الحديث عن التسامح في الدين الإسلامي، وضرورة التقيد بمغزى الأحكام الشرعية، وذلك في إطار المعطيات والظروف الحديثة.
كلام جميل وناضج، ونتمنى لو ساد مثل هذا الوعظ الهادئ الذي يتحرك بروح الدين لكي تلاقي روح العصر الحديث، دون أن يفقد أي منهما روحه، أو يلغي أحدهما الآخر، لكن المشكلة أن هؤلاء الشيوخ المتسامحين اليوم، هم أنفسهم المتطرفون الذين أغلقوا نوافذ الحداثة والتسامح في واجهة البناء الإسلامي، وهم الذين غرروا بعقول الفتية والصغار، وألقوهم في تناقضات ورحى الحروب والمعارك السياسية! هؤلاء هم من حرم الصورة، ولعن المصورين، وهم الذين حجروا على المرأة وحرموا تحركها، حتى وإن كان تجاه بيت الله، ومن هنا فإن هؤلاء غير مؤهلين اليوم لترويج روح التسامح في الإسلام، ولا لقراءة الإسلام بروح العصر.
في جو التناقضات الذي أصبح يعيشه الفرد ونحن نتقدم في الألفية الثالثة، وفي خضم الفتاوى المتضاربة التي يطلقها رجال الدين عبر العالم الإسلامي، تبرز حاجة ماسة لإعادة بناء ما هدمه البعض من أسس التسامح الديني في الإسلام، وإعادة الهيبة والوقار والتجرد من كل نعم الدنيا وزيفها وطموحات أهل السياسة وهمها من التي أصبحت تحاصر رجل الدين في زمننا هذا!
ولا داعي هنا لسرد كل التفاصيل التي أدت إلى انشقاق واضح داخل المجتمعات الإسلامية، وإلى خلط في وعي المسلم بين ما هو في صلب التعاليم والأهداف الإسلامية، وما هو مجرد انتماء فكري سياسي بحت، فرجل الدين الذي صلى شكراً لله على هزيمة الجيوش العربية وانتصار إسرائيل في حرب 1967، بسبب اختلافه السياسي والفكري مع نظامه، قد أربك ولا شك الكثير من المسلمات لدى فتية كانوا يتلقون تعاليم الدين على يديه، كذلك هم رجال الدين الذين برروا حروباً ومعارك جعلت الفتية المسلمين حطباً لها، بسبب تباين فكري سياسي بحت، ويشمل الاتهام هنا جمعيات تحركت باسم الإسلام واستدرجت أهل الخير إلى حلبات الصراعات السياسية والفكرية البحتة.
إن رجال الدين أقوياء بما يمثلون من عقيدة رحيمة وبما يحملون في قلوبهم من دعوة سمحاء. هم إذاً ليسوا في حاجة إلى أن يتبنوا مشروعاً سياسياً ولا معركة حربية ليثبتوا على ضوئها ومن خلالها قوة الدين وتأثيره في الفرد لذا، فإن الواحد منا لا يملك إلا أن يتساءل عن الأسباب التي تجعل لرجل الدين قولين وفتويين، وعن الدوافع التي تحمل بعض رجال الدين للإفتاء بشرعية حرب أو معركة أو حتى استجواب سياسي، وعن حقيقة الدافع الديني وراء ذلك، كيف تتحول أرض أفغانستان، وفي أقل من عقدين من الزمان، من أرض للمجاهدين الورعين المناضلين، إلى أرض الإرهابيين الضالين؟ وكيف يتغير مسمى “الفتية التقاة القابضين على دينهم” ليصبح “فتية الفئة الضالة والمغرر بهم”؟ قد تتفاوت الإجابة عن مثل هذه التساؤلات بحسب القناعات لكن ذلك كله يؤكد مدى حاجتنا إلى إعادة بناء صورة رجل الدين التقي الورع، الغيور على حماية الدين من عبث أهل السياسة والمتمسك بالحق والعدل والإنصاف الذي تزخر به تعاليم الدين ومن دون أن يضطر للاستعانة بطيور الظلام التي أخلت بكل المعايير والمبادئ الروحانية السامية في سبيل حصاد الدنيا.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى