
ربيكا
في عام 1985، صدر كتاب للدكتور أوليفر ساكس بعنوان “الرجل الذي خلط بين زوجته وقبعته”، واعتبر حينها من أهم الكتب الإكلينيكية في القرن العشرين!
في كتابه، يستعرض أوليفر ساكس قصصاً لبعض الحالات التي أشرف على علاجها ومتابعتها في عيادته، منها حالات فقدان ذاكرة، وأخرى انقطع تواصلها مع العالم الخارجي، وحالات لأشخاص عاشوا حياتهم موصومين بالتخلف على الرغم من كونهم عباقرة، بالإضافة إلى حالات أخرى كثيرة وغريبة في آن واحد!
من الحالات التي استعرضها الدكتور ساكس في كتابه، حالة الفتاة “ربيكا” ذات التسعة عشر ربيعاً! يصف الدكتور ساكس حالة “ربيكا” حين قدمت إليه وللمرة الأولى في عيادته، بأنها فتاة طفلة في الكثير من الجوانب، لا تستطيع أداء أبسط الأمور، كالتجول بمفردها والعودة إلى المنزل من دون مساعدة، بل هي لا تستطيع حتى أن تستخدم المفتاح لفتح باب منزلها! وقد كان تصنيفها إكلينيكياً بأنها طفلة معتوهة، سجلت أقل من 60 في اختبار القدرات العقلية!
“ربيكا” هذه كانت تعيش مع جدتها القريبة منها جداً! لكن الوجه الآخر لـ”ربيكا” والذي كان خافياً حتى عن الدكتور المعالج لها، ظهر فجأة إثر وفاة جدتها! فبينما كان الدكتور ساكس يواسيها في وفاة جدتها، دار بين الاثنين حوار كان مفعماً بالحكم والطرح الذكي! بحيث تمكن الدكتور ساكس وعلى ضوئه من اكتشاف الجانب الآخر من “ربيكا”! فقرر أن يوقف كل الجلسات العلاجية التقليدية وأن يبدأ مع “ربيكا” علاجاً كانت هي قد أصرت عليه، خاصة بعد وفاة الجدة! رأت “ربيكا” أن علاجها سيكون بإلحاقها بأحد المسارح لتعمل في ظل تراتيب شعرية أو موسيقية لأن ذلك هو بالتحديد ما تبدع فيه “ربيكا”!
وبالفعل تم إلحاق “ربيكا” بأحد المسارح، حيث أعادت اكتشاف ذاتها، وأصبحت إنسانة متكاملة، حتى إن أحداً لا يصدق وهو يشاهد أداءها بأنها كانت يوماً ما متخلفة عقلياً!
يفسر الدكتور (ساكس) ظاهرة “ربيكا” بأنها تعكس قوة وتأثير الموسيقى والشعر على المخ والأداء البشري بشكل عام! ويسترجع بعض حالات الإعاقة الذهنية التي سرعان ما تستجيب لإرشادات تتخللها النغمة الموسيقية، أو الفقرة الشعرية! بحيث تتلاشى معها كل علامات التخلف!
للموسيقى قوة وأثر كبيران في تنظيم المخ وتحفيزه خاصة في ظل غياب الإحساس بالنظم التقليدية! وهي ـ أي الموسيقى ـ إن كانت تشكل عاملاً مهماً في استثارة أدمغة البسطاء مثل “ربيكا”، فإنها تعتبر العامل الأهم لتحقيق أعلى درجات الكمال في المخ البشري لدى الأصحاء!
