
أمضى ويلفورد شيجر فترة امتدت من نهاية عام 1951 وحتى يونيو 1958 في منطقة الأهوار جنوب العراق، حيث رصد الحياة الاجتماعية لمجتمع الأهوار وقبائله، بالإضافة إلى دراسة شاملة وموسعة لجغرافياً هذه المنطقة وطبيعتها الثرية تاريخياً وجغرافياً وتراثياً.
عاش “ويلفورد” كل تلك السنوات مأخوذاً بتلك الخصوصية التي طالما ميزت منطقة الأهوار التي تغطي مساحة تقدر بستة آلاف ميل مربع، حيث يلتقي نهرا دجلة والفرات ليشكلا شط العرب.
ولتشكل هذه المنطقة بأسرها معلماً تاريخياً يفوق عمره خمسة آلاف عام، ويتمتع بتضاريس وطبيعة ميزته عن محيطه وأهلته لأن يكون الحاضن للعشرات من الطيور ولقبائل تاريخية تميزت عن سائر قبائل المنطقة بظروفها وحياتها الخاصة.
الأهوار اليوم تقف شاهداً على جريمة صدام حسين التي لم يسلم منها طائر ولا شجر، فقد تم تجفيف أغلب تلك الأهوار إبان حربه العبثية مع إيران ثم تستمر تلك الانتهاكات البيئية مع انتفاضة الشيعة في الجنوب في عام 1991 حين مارس صدام حسين المزيد من الجنون في الأهوار واستمر في تجفيف المواقع التي لجأ إليها الثوار، وأحرق القصب، ودمر الحياة فيها، وشرد أهلها الذين هجروا أهوارهم طلباً للأمان.
لقد تقلصت مساحة الأهوار من عشرين ألف كيلومتر مربع، بحسب تقارير الأمم المتحدة في عام 1976 لتصبح في عام 2002 ألف كيلو متر مربع فقط، مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات خطيرة على الصحة البيئية لكل دول المنطقة المجاورة لمنطقة الأهوار المنكوبة.
المؤسف أن هذه المخاطر البيئية لم تصل إلى وعي وإدراك الدول المتضررة والمجاورة للأهوار، وبخلاف مقال هنا أو حديث هناك، فإننا لم نسمع عن هيئات أو مؤسسات معنية بالبيئة في منطقة الخليج تبنت هذه الكارثة البيئية الخطيرة أو حتى وضعتها في برامجها أو مشاريعها البيئية!
على الرغم من التهديد المباشر الذي تواجهه دول الخليج من جراء تجفيف الأهوار الذي يهدد حياة 40 نوعاً من الطيور بالإضافة إلى أعداد لا تحصى من الأسماك في الخليج.
مؤخراً قامت الأمم المتحدة ممثلة ببرنامج الأمم المتحدة لرعاية البيئة بدراسة مفصلة لكيفية إحياء منطقة الأهوار التاريخية، حيث يساهم في هذا المشروع كل من اليابان بمبلغ 11 مليون دولار وإيطاليا بمبلغ 30 مليون دولار، كما تساهم الولايات المتحدة وكندا ببرامجهما الخاصة لإحياء هذه المنطقة الثرية بتاريخها وطبيعتها الجغرافية.
يعلم الخبراء القائمون على إحياء منطقة الأهوار مدى صعوبة مهمتهم، فمشروع إحياء الأهوار لا يقتصر على إعادة مجاري المياه التي حاصرتها السدود التي أقامتها كل من إيران وسوريا وتركيا، بالإضافة إلى التجفيف المتعمد الذي مارسه صدام حسين في الأهوار، بل يهدف المشروع كذلك إلى إعادة بناء مجتمع الأهوار الذي شرده ومزقه الرئيس العراقي المخلوع.
فالأهوار كانت آهلة بمجتمع له سماته المعيشية المميزة، حيث عاش ما يقارب الـ 300000 من قبائل “المعدان” قبل أن يشردهم صدام حسين ليتقلص عددهم إلى 20000 فقط! يقال إن حضارة العراق بدأت على أطراف الأهوار الذي استقبل في الألفية الخامسة قبل الميلاد فلول المهاجرين من هضبة إيران ليستقروا في الأهوار بمنازلهم المصنوعة من القصب، وقواربهم الصغيرة، وذلك قبل أن تنهض حضارة السومريين في الألفية الثالثة قبل الميلاد ويتبعها البابليون! إلى أن تشكل في القرن السابع عشر من الميلاد الشكل الحالي لمجتمع الأهوار.
لقد طالبت جماعات حقوق الإنسان في العالم كله بضرورة اعتبار تدمير الأهوار جريمة حرب تضاف إلى ملف صدام حسين الإجرامي إيماناً من تلك الجماعات بالمخاطر البيئية التي شكلها تجفيف الأهوار! والمطلوب من جمعيات حقوق الإنسان وهيئات البيئة في منطقة الخليج أن يكون لها دورها المتلائم مع طبيعة قربها من تلك المخاطر ومع مسؤوليتها تجاه ترميم الأهوار رئة الخليج العربي.
