
حذر من بقاء المنظمة مجرد إطار للتشاور
تتألق أو تخبو مع مواعيد اجتماعاتها
أجرت الحوار: سعاد المعجل (فيينا)
يتحدث مدير صندوق أوبك للتنمية سليمان الحربش عن أوبك حديث المحب لمنظمة أدت وتؤدي خدمات جلية لأعضائها وأسواق النفط في العالم، فهو لم يخفِ، في حواره معنا، فخره بهذه المنظمة واعتزازه بالعمل فيها، والإشادة بأهدافها التي تتعزز مصداقيتها مع الأيام.
إلا أن الحربش يفرق في الحديث بين الإطار العام لعمل أوبك وتفاصيل العمل اليومي، بما في ذلك ما يتعلق بالأمانة العامة للمنظمة، وفي هذا يبدي الحربش رأياً شجاعاً، إذ يقول في تعليق غير مباشر على عدم اختيار أوبك أميناً عاماً لها منذ أكثر من سنتين إنه لا بد من الخروج على المألوف للتخلص من مأزق الأمين العام، بما في ذلك إعلان المرشحين لهذا المنصب عن مشاريعهم وتطلعاتهم؛ فالهدف إعطاء صلاحيات اكبر للأمين العام، والمطلوب إعادة هيكلة أوبك حتى لا تبقى مجرد إطار للتشاور تتألق أو تخبو تبعاً لمواعيد اجتماعاتها.
وفي سياق الحوار، كان للحربش رأي في (أوابك) التي لم ينتقد أداءها لكنه لم يمتدحه، بل وصفه بحال زوجة أبي الدرداء التي “تعطي على نحو ما تأخذ ولا تثريب عليها”، وهنا الحوار:
هل من تعليق على “عشرتك” الطويلة مع منظمة أوبك؟
أوبك مصدر فخر واعتزاز لي، فهي أولاً من المنظمات القليلة في عالمنا المعاصر التي نشأت بإدارة سياسية حرة، وهي المنظمة التي لا يجادل إلا من في قلبه مرض حول نبل مقاصدها. صحيح أن السبب المباشر لقيام المنظمة عام 1960 كان هدفه حماية مصالح الدول المنتجة من الآثار الوخيمة لتفرد الشركات الكبرى بقرارات الإنتاج والأسعار، لكن من يتمعن في قراءة أهداف المنظمة المكتوبة في دستورها يرى بوضوح أن هذه الأهداف تخدم الدول المستهلكة بشكل واضح، ومن ذلك تأمين الإمدادات، وتحقيق الاستقرار في السوق وضمان عائد مجزٍ لصناعة البترول، ومن هي هذه الصناعة إذا استثنينا تلك العاملة في الدول الصناعية؟
من ناحية ثانية، أنا فخور بالفترة التي قضيتها في خدمة أوبك، فقد حاولت بقدر ما لدي من طاقة أن أساهم في توجيه الأمانة العامة للمنظمة الوجهة الصحيحة، ومن خلال عملي في وزارة البترول في المملكة العربية السعودية، في تقديم المشورة لرؤسائي حول ما يعرض على جدول أعمال المجلس الوزاري من بنود شاركت في عدد من اللجان التي تعنى بدراسة موضوع معين وتجسد ذلك أخيراً من خلال عملي ممثلاً للمملكة في مجلس المحافظين أربعة عشر عاماً، لكن هذا الحديث عن المنظمة لا يكفي.
دور مشرف
عندما نقول (أوبك) ماذا نعني؟
إذا كنا نقصد المجلس الوزاري الذي يرسم سياسة المنظمة ويتخذ من القرارات ما يخدم مصالح المنتجين والمستهلكين، فإن أوبك من هذا المفهوم تقوم بدور مشرف لا غبار عليه، وسوف يعرف أهلنا في الكويت هذا الدور بشكل أوضح عندما يتولى الشيخ أحمد الفهد الصباح العام المقبل رئاسة المجلس الوزاري.
أما إذا كان المقصود هو الأمانة العامة فإن الحديث عن أوبك من هذه الزاوية حديث ذو شجون بل وأشجان.
واقع الأسعار
لنعد إلى (أوبك) من خلال المجلس الوزاري!
يقولون عن أوبك إنها المنتج المرجح الذي يحرك إنتاجه صعوداً أو هبوطاً لتحقيق التوازن في السوق وهذا صحيح، إذ إن ذلك تجسيد لأحد أهداف المنظمة كما أسلفنا.
عندما هبطت الأسعار خلال عامي 1997 و1998 – دون ما أسميه بمنطقة الارتياح Comfort Zone – تدخلت أوبك بشكل صارم عبر مداولات متعددة للعودة بالأسعار إلى مستوى معقول تتبلور في ما بعد بالنطاق السعري، وما نشهده اليوم هو الوجه الآخر لهذا التدخل، فالأسعار تتزايد لأسباب لا علاقة لأوبك بها، بعضها أساسي وبعضها سياسي، وتقوم أوبك حالياً باستغلال منظم لما لديها من طاقة إنتاجية لترشيد السوق، ولولا أن هذا السوق يعتقد أن أوبك لم تستنفد طاقتها الإنتاجية البتة لارتفعت الأسعار إلى أعلى من مستواها الراهن.
نجاح باهر
المهم هنا هو أن أوبك من خلال المجلس الوزاري حققت نجاحاً باهراً في المضي نحو تحقيق هدف المحافظة على استقرار السوق، والذين يصفون أوبك بالكارتيل بمعناه الاصطلاحي السيئ يتراجعون هذه الأيام عندما يسمعون أن رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي الآن غرينسبان Alan Green Span يخلي ساحة أوبك من مسؤولية ما يحدث في السوق.
لكن نظراً لجسامة هذه المهمة التي شغلت الوزراء، إضافة إلى ما لديهم من أعمال أخرى فقد تراجعت شؤون المنظمة الأخرى وأصبحت بحاجة إلى إعادة نظر، وهذا يقودنا إلى وضع أوبك السكرتارية.
الأمين العام
لن أتطرق إلى موضوع الأمين العام، إذ ليس لدي ما أضيفه، علاوة على حساسية الموضوع لكنني أظن، ولا إثم، على أنه لا بد من الخروج على المألوف للتخلص من مأزق الأمين العام ومن الأساليب التي لفتت نظري وما شاهدته أثناء حضوري لدورة مجلس المحافظين لصندوق السلع الدولية في أمستردام العام الماضي، وكان أحد البنود تعيين المدير العام الذي يضاهي الأمين العام في بعض المنظمات، إذ تقدم سبعة مرشحين من مناطق مختلفة من العالم نحو المنصة وقدموا أنفسهم، وما لديهم من برنامج لو تم انتخابهم، ثم يتم بعد ذلك التصويت وتعاد الكرة بخروج من يحصل على أقل الأصوات، وهكذا إلى أن يفوز بالترشيح من يحصل في النهاية على أعلى الأصوات شريطة أن يتخطى عتبة رقمية معروفة سلفاً.
يمكن لأوبك عن طريق المؤتمر أو لجنة وزارية أن تلجأ إلى هذا الأسلوب، ولو على سبيل التجربة، وإذا اقتصر الترشيح على قلة فيمكن للدول المرشِحة (بكسر الشين) أن تلتزم الحياد، المهم هو التفكير في حل يخرج عن المألوفِ، ولعل الأمانة تقتضي أن أقول إن الترشيح على أسس سياسية أضر بالمنظمة أكثر مما أفادها، ومثال على ذلك بعض الأمناء الذين تعاقبوا على المنظمة حتى عام 1983 عندما كان المؤتمر يختار الأمين العام طبقاً لقاعدة التناوب، وهناك أمثلة أخرى يعرفها كل من له صلة بأوبك.
من ناحية أخرى، إذا كانت أوبك تناظر وكالة الطاقة الدولية فإنها لا تتمتع بالمرونة المالية المتاحة لوكالة الطاقة بسبب ضآلة حجم الميزانية السنوية، وهذا انعكس على مستوى الأداء في المنظمة الذي يحجب صفقة عبقرية لبعض الأفراد في المنظمة.
بعد انسحاب الإكوادور والغابون انكشف الوضع المالي في المنظمة، فاقترحنا في مجلس المحافظين، الذي يعتمد بعض الأغلبية أسلوباً لعمله، على إعادة هيكلة السكرتارية لضغط المصروفات وقلنا أيضاً إن من الأهداف رفع كفاءة الأداء، وتم ذلك في وقت تتزايد أعباء المنظمة وتستجد التحديات فلجأنا إلى مواكبة ذلك إلى الاتفاق على تقوية وتنشيط قسم الأبحاث وهو يمثل أركان المنظمة، لكن هذا لا يكفي، فأوبك السكرتارية تحتاج إلى إعادة النظر في ميزانيتها السنوية وإلى النظر أيضاً في أسلوب التوظيف وتخليصه من شوائبه، وهذا يتطلب ليس فقط وجود أمين عام كفؤ، وإنما أيضاً منحه الصلاحيات التي يحتاجها بدلاً من الدائرة الضيقة التي يتحرك فيها الآن، وحبذا لو قورنت بين صلاحيات أمين عام أوبك بتلك التي يتمتع بها نظراؤه في المنظمات الأخرى، ومن دون الخروج عن المألوف، فإن أوبك لن تعدو أن تكون إطاراً للتشاور، تتألق أو تخبو تبعاً لقرب أو بعد انعقاد المؤتمر الوزاري. باختصار، المنظمة تحتاج إلى إعادة هيكلة هذه المرة لرفع كفاءة الأداء وليس خفض التكاليف.
أوابك
وماذا عن (أوابك) التي شاركت أيضاً في اجتماعاتها؟
هذه المنظمة كانت أحد الفصول الدراسية التي تعلمت فيها أسلوب العمل البترولي العربي وفن التفاوض، أسستها ثلاث دول لتخليص البترول من حمأة الخلافات العربية عندما كان البترول يناقش في لجنة خبراء البترول العرب في الجامعة العربية، هذه المنظمة صنعت أعمالاً جليلة، فيما أنشأت عدداً من الشركات التجارية، ومن ذلك الشركة العربية البحرية لنقل البترول وأبيكورت، وشركة الخدمات، كما أسدت المنظمة، وما زالت، خدمات جلية للملكية العربية بترجمة العديد من الكتب القيمة عن صناعة الطاقة.
بعض الناس يظلمون أوابك عندما يقارنونها بمنظمة أوبك، أوابك لها هدف تجاري، وهذا محدود بسقف معين، يفرض بدوره عمراً زمنياً للمنظمة، لأن المشروعات التجارية ذات الطابع البترولي محدودة، فالمنظمة لا تستطيع أن تنشئ مشروعاً بترولياً كل سنة، خصوصاً بعد أن نشطت الشركات البترولية الوطنية والقطاع الخاص بالدول الأعضاء، بخلاف أوبك التي تعالج قضية السوق البترولية، وهي قضية لا يحدها سقف.
أتمنى أن تقوم الدول الأعضاء بتحويل المنظمة إلى مركز عربي لدراسات الطاقة، ليس فقط للمحافظة على كبرياء هذه المؤسسة التي جللتها إبان سنواتها الأولى، وإنما لاستقطاب المفكرين المتخصصين في دراسات الطاقة، ولا يعدو ذلك أن يضاهي ما يفعله كثير من الدول.
(أوابك) وزوجة أبي الدرداء
ما رأيك في دور منظمة (أوابك) اليوم؟
ما دام السؤال موجهاً لي من أديبة معروفة فإنني أقول إنه في ظل الموارد المتاحة لها، فإنها تذكرني بزوجة أبي الدرداء: تعطي على نحو ما تأخذ ولا تثريب عليها.
تضحيات أوبك
قال الحربش إن أوبك تضحي مرتين: عندما تنخفض الأسعار إلى مستويات دنيا تتدخل أوبك بتخفيض إنتاجها، وهي في هذه الحالة تزيد من طاقتها الإنتاجية المعطلة، وهو استثمار من دون أي عائد وخصوصاً أن الدول غير الأعضاء تنتج عند الطاقة القصوى، وعندما تزيد أوبك إنتاجها لتهدئة الأسعار، فإنها أيضاً تدفع ثمناً لذلك، لأن المحافظة على الطاقة الإنتاجية لدعم مستوى الإنتاج هو عملية استثمارية متواصلة.




