
في كل مرة يتأزم المناخ السياسي في هذا الوطن، ترتفع الأصوات متسائلة عن مصير الديمقراطية، وعن مدى صلاحيتها كنهج ونظام في مجتمعات لا تزال سياسياً واجتماعياً تعتبر متخلفة وفقاً للمقاييس العالمية. كذلك يأتي السؤال حول فاعلية مؤسسة كالبرلمان المنتخب وحقيقة دوره التشريعي والرقابي في دول لا تزال تتعاطى وتتعامل بالعقلية القبلية المطلقة!! هذا بالإضافة إلى السؤال الأكثر إلحاحاً حول مقدرة نظام ديمقراطي يعمل بالانتخاب والترشيح، ويسعى إلى ترسيخ مبادئ كفصل السلطات، وحرية القول والنشر والرأي، مقدرته على الاستمرار والبقاء وسط أنظمة سياسية لا تعمل وفقاً للنظام ذاته ولا تملك أجهزة رقابية، ولا تؤمن بالمساهمة الفردية في التشريع والرقابة، وتتضاءل فيها مساحة حرية الرأي والنشر والقول إلى درجة اختفائها في بعض الأحيان، أو العمل بها بصورة شكلية واضحة!! باختصار هل يمكن لنظام ديمقراطي أن يتطور وينمو بمعزل عن محيطه، ودون أن يؤثر أو أن يتأثر بذلك المحيط سواء سلباً أم إيجاباً؟
هنالك قصة رمزية قد تسعفنا في إيضاح ما نرمي إلى إيضاحه وتصويره من صورة وشكل “يُحكى أن قرية شربت من نهر فيه مادة تبعث في شاربها الجنون.. فجن أهل القرية كلهم عدا الملك. وأخذ أهل القرية يتهامسون فيما بينهم أن ملكهم صار مجنوناً وأنه يجب أن يخلع فاضطر الملك أخيراً أن يشرب من نهر الجنون لكي يبقى عليهم ملكاً”.
من الطبيعي جداً أن يتأثر وأن يؤثر كل كيان سياسي بمن يجاوره. وإذا كانت وحدة الكيانات السياسية مجزأة جغرافياً، ومنفصلة أو منعزلة عن بعضها بعضاً بفعل الحدود الجغرافية السياسية، فإن ذلك لا ينطبق على الفكر والنهج والمعتقد، الذي لا يؤمن بحدود مرسومة، ولا بقوانين جمركية أو تنظيمية.
لقد ساهمت ظروف كثيرة في إتاحة الفرصة لنا في هذا الوطن، للبدء ببرنامج ديمقراطي حداثي يؤمن للفرد مشاركة ومساهمة أكبر في القرارات السياسية كما غيرها!! ولقد جابهنا ولا نزال معوقات وإخفاقات لم تزد تجربتنا سوى ثراء ورسوخاً!! غير أن الأحداث وتجارب الآخرين تؤكد لنا يوماً بعد يوم أن تجربة الديمقراطية في هذا الوطن لن تؤمن مردوداً ملموساً ما لم تجد لها صدى وامتداداً يدفعانها إلى الحركة والبقاء وذلك من خلال خلق حوارات، وشق قنوات يجري خلالها تبادل الخبرات والتجارب وذلك على نطاق وحدود محيطها الجغرافي والثقافي!! غير أن ذلك على ما يبدو يعتبر أمراً شاقاً وصعباً، لأن الديمقراطية في عالمنا العربي، وللأسف الشديد، لا تزال مرادفاً للفوضى، وكسر القوانين، والشغب، وهي مطلب الخارجين عن الجماعة والقانون من (الشيوعيين، واليساريين العلمانيين)!! وإذا كانت تلك الحجة قد نجحت واستطاعت أن تلقى قبولاً وأذناً صاغية لدى شرائح كبيرة من الناس في مجتمعنا العربي!! فإنها اليوم تقف عاجزة أمام كل البراهين والقرائن التي تثبت عكس ذلك تماماً!! وأمام إلحاح الشعوب اليوم وإصرارها على المشاركة السياسية والمساهمة في قرارات تمسها في الصميم!!
ومن هنا جاء إصرارنا في هذا الوطن على التمسك بمكتسباتنا الديمقراطية، وبهامش الحرية الذي أصبح يميزنا عن أقراننا!! وبدورنا في تصدير الديمقراطية، والتأكيد على مبادئها وقيمها، في محيطنا الجغرافي والثقافي!! وذلك يقينا منا أننا بهذا نقوم بترسيخ النهج الديمقراطي لدينا، والمحافظة على مكتسباتنا وإنجازاتنا في مجال الحقوق والحريات السياسية!! ولعلَ في تجربة الغزو ما يؤكد طبيعة الامتداد الديمقراطي هذا، فلولا ديكتاتورية حاكم بغداد ونظامه لما كان لمشروع الغزو أن يكون!! ولو كانت في العراق ديمقراطية راسخة، لكان وضع المنطقة بأسرها مختلفاً تمام الاختلاف عما هو عليه الآن!!
لا يشك أحد في أن الديمقراطية تقود وبصورة مباشرة إلى استقرار المجتمع، وثبات الأداء السياسي فيه، وتقلل من فرص الفوضى بفعل العنف والشغب!! لكونها توفر قنوات شرعية ومنظمة للتعبير عن الآراء والمطالب الشعبية أياً كانت طبيعتها!! والاستقرار بلا شك هو هدف كل المجتمعات السياسية!! ودون استثناء هنا للمجتمعات العربية!! وإن كان بعضها قد أمن استقراره من خلال طرق أخرى، وكما هو حال دول الخليج على سبيل المثال أو الدول النفطية، والتي استطاعت أن تضمن استقرارها بفعل الوفرة المالية، ومن خلال (رشوة جماعية) للمجتمع للتنازل عن حقوق سياسية عديدة كالحرية والديمقراطية!!
الآن تقف هذه المجتمعات عاجزة عن المضي على النهج نفسه الذي أمن لها استقرارها السابق بعد أن تراجعت تلك الوفرة المالية.
الديمقراطية ليست أمراً كلياً أو مكملاً للمجتمع السياسي، بل هي أمر جوهري وأساسي نحو أي استقرار أو أمان مستقبلي أو حاضر!! والديمقراطية ليست سحراً، ولا أكسيراً ألف بين قلوب البشر، فألغى الخلافات والاختلافات!! وأقام المدن والمجتمعات الفاضلة!! إن كل ما فعلته الديمقراطية هو أنها ارتقت بوسائل الاختلاف، وأحلت الكلمة بدلاً من السيف، والحبر بدلاً من الدماء!!
