
الآن وبعد أن هدأت عاصفة التحديات الانتخابية، وأطفئت الأنوار في مقار النواب، وحسمت كلمة المواطن ذلك التنافس، فخرج منه من خرج وحمل الأمانة من حملها. يبقى التحدي الأكبر قائماً.. ويأتي دور الوطن بمواطنيه وناخبيه ونوابه، للحفاظ على تلك الروح، وللإبقاء على تلك المكاسب.
فعلى الرغم من حرص المواطن وتطلعه لأن تحظى العناصر الوطنية الصادقة بثقة الأغلبية، وأن تمسك بزمام التشريع والرقابة ضمائر حية، أمينة ومخلصة. إلا أن ذلك لا يعني أن يكون مقياسنا الوحيد للمكاسب الوطنية من وراء العملية الانتخابية، والديمقراطية بشكل عام، مرتبطاً بالوجوه أو بالأسماء التي تسلمت زمام المسؤولية والأمانة.
ولا أن تكون مسؤولية العمل الوطني مقتصرة على إيصال من يراهم المواطن أكفاء للقيادة والقرار. ولا أن يكون تفاعلنا مع قضايانا وأزمتنا تفاعلاً وقتياً وموسمياً، نحييه مع كل حملة انتخابية جديدة، فيبقى دائماً عنواناً وشعاراً خالياً من الجدية وعصياً على التحقيق. فمما لا شك فيه أن الاستمرارية تعد من الشروط الصارمة والأساسية لتحقيق أي مكسب ديمقراطي.. أو أي قدر من الحرية. حيث يكون التواصل في الطرح والإشارة والوعي للمطالب والحقوق المشروعة.. مدخلاً وحيداً نحو تحقيقها.
وبخلاف الفترات التي علق فيها العمل بالدستور، وحُل فيها مجلس الأمة.. فإننا نستطيع أن نقول إن قدراً من التواصل والاستمرارية في العمل الانتخابي والتمثيل البرلماني، قد وفر لنا في هذا الوطن مناخاً حراً ديمقراطياً.. يكاد يكون العلامة الفارقة التي طالما ميزتنا وسط منظومتنا الخليجية بوجه خاص والعربية بصفة أشمل.
وإذا كان إنجازنا على المستوى الداخلي.. يكمن في مناخ الحرية الذي أصبح سائداً ومعتمداً كأساس للحوار والنقاش بين المؤسسات القائمة في الوطن. فإن إنجازاً آخر على المستوى الإقليمي لا يقل حساسية ولا أهمية عما حققناه على المستوى المحلي.. أصبحنا نعيه وندركه من خلال الاهتمام الذي توليه دول شقيقة بتجربة الوطن الديمقراطية.. وبمناخ الحرية والنقاش السائد بيننا. خاصة بعد أن أصبحت تجربتنا المميزة.. تشكل سابقة لمنظومة الدول والأنظمة العربية بوجه عام. والتي عجزت أغلبها عن تحقيق مجتمعات ديمقراطية صحيحة.. على الرغم من كل الثورات والانقلابات (التصحيحية). حيث خرجت شعارات كثيرة تصطدم أغلبها بالديمقراطية كنهج وبالحرية كأساس نحو بناء ديمقراطي سليم.. فأصبح هناك ديمقراطية الثورة.. وديمقراطية الحزب. وديمقراطية العسكر، وديمقراطية الملك..
قد نجد أنفسنا مستقبلاً مضطرين لأن ندفع ثمن تمسكنا بمكاسبنا الديمقراطية. وإذا كان الغزو – ولو بصورة غير مباشرة – يعد واحداً من فواتير الحرية والديمقراطية هذه. فإن التحديات المباشرة والتي ما زال أمامنا مواجهتها.. هي في استمرارنا نموذجاً لإمكانية بناء مجتمع سياسي ديمقراطي في ظل نظام حكم عائلي ووراثي. أي أن الديمقراطية بإمكانها أن تكون واقعاً دون الحاجة إلى إعلان ثورة أو انقلاب – بل وكما تعكس تجربة الوطن.
إن الديمقراطية هي فن التعايش السليم بين أفراد المجتمع الواحد، حكاماً كانوا أم محكومين!! وبما أن التشابه بين الكويت ودول الجوار في البنية السياسية والنظام السياسي يكاد يكون متطابقاً.. فإن فرصة قيام مجتمعات ديمقراطية في تلك الدول.. قد أصبح تحدياً مستقبلياً قائماً يتعين على دول المنطقة الإنصات لشروطه.. خاصة إذا ما صدقت نواياها في السعي لخلق تاريخ مشرق وناصع.
ونحن في هذا الوطن.. وفي ظل تلك التحديات أصحبنا مدركين -بلا شك- أن التواصل في النهج الديمقراطي هو شرط أساسي لخلق التاريخ.. والذي لا يجب أن يكون قصراً على انتخاب وترشيح وندوة.. بل نضالات سياسية.. وحوارات حرة.. وأعمال عقلانية.. نخلق معها ديمقراطية بلا انقلاب.. وحكومة حرة بلا ثورة وبلا دماء.
