شئون عربية

ديمقراطية الشارع العربي

ديمقراطية الشارع العربي

إن الانتماء حاجة وليس عاطفة.. فهو حاجة غريزية في الإنسان تظهر وتنمو، وقد تتخذ صفات أخرى كثيرة كالحب، والوطنية، وأحياناً النضال للحفاظ على هذه الحاجة. ولكن هل هناك أسس يرتكز عليها الانتماء، وإذا كان الانتماء غريزة، فهل الإنسان بحاجة إلى ترسيخها!!!
إن الفرد في إشباعه لهذه الغريزة… يسلك أقل الطرق تعرجاً… فهو يحس بانتماء أقوى لجماعة تنطق بلسانه… أو تدين بدينه.
إذن.. فرابطة اللغة الواحدة.. وروابط أخرى كثيرة منها روابط تاريخية.. وروابط عقائدية.. وعادات اجتماعية متشابهة.. جميع هذه الروابط أصبحت تضفي صفة أعمق وأقوى من حاجة الإنسان البدائية للانتماء.
لقد أدى التقدم العلمي في مجال الاتصالات والمواصلات إلى تقليص مساحة العالم.. فأصبح المجتمع الدولي يعيش في عالم صغير.. وغدا من الصعب على أي دولة أن تنعزل أو تتجاهل ما يحدث في هذا العالم.. بل والتأثر به غالباً.
وعالمنا العربي تجمعه بعض إن لم تكن جميع تلك الروابط.. فاللغة واحدة.. والتاريخ واحد.. مما يشكل أرضية أقوى للانتماء.
ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، وبعد تفكك الدولة العثمانية.. تناوبت على هذه الأرض دول استعمارية كثيرة.. فورثت إنكلترا وفرنسا المنطقة.. وحاولت تحطيم تلك الروابط القوية والتي ميزت مجتمعاتنا العربية، فحاول الاستعمار الفرنسي في بلاد الشام، وفي بعض دول المغرب وأد اللغة العربية واستبدالها في محاولة لاستبدال الفرد العربي.. حتى يتلاءم مع المجتمع الاستعماري الجديد. إلا أنه وبعد الحرب العالمية الثانية أجهضت عملية الاستبدال تلك في حركات استقلالية شملت معظم أنحاء العالم العربي على مدى عقدين من الزمن.. مما كان له الأثر في ازدياد انتماء تلك المجتمعات لبعضها.. إحساساً وإيماناً منها بوحدة المصير.. ناهيك عن وحدة اللغة.. والتاريخ، مما مهد الطريق في الخمسينيات والستينيات للتفكير بإيجاد نوع من الارتباط الأقوى صُوّر في شكل وحدة تجمع تلك المجتمعات الواحدة.. وإذا كان التوجه آنذاك نحو وحدة عربية قد اتصف بشيء من المبالغة والوهم.. إلا أن دواعي التفكير بتنفيذها كانت مبنية على أسس صلبة استمدها العالم العربي من تاريخه عبر القرون الماضية.
وفي ظل تلك المجتمعات البكر.. تناوبت قيادات وأنظمة مختلفة على شق طريق معاكس لإبراز تلك الوحدة إلى حيز الوجود.. فبدلاً من أن تسخر الوحدة من أجل المواطن العربي توفيراً وتحقيقاً لأمنه واستقراره.. وترسيخاً وتأكيداً لانتمائه.. أصبح المواطن العربي هو الأداة التي امتطاها كل نظام عربي آنذاك في جهاده نحو تحقيق الهدف المنشود.. فأصبحت هي الشعارات التي يتبناها كل مناضل.. وغدت تتصدر خطابات لزعماء كثر.. إلا أنها أبداً لم تكن في متناول المواطن العربي.
وتجاهلت الأنظمة حينذاك أن الطريق المسالك نحو وحدة حقيقية.. والتي هي في مجملها ترسيخ وتجسيد للانتماء العربي.. يسبقه وعي سليم.. وإدراك صادق لما يفتقده المجتمع العربي لكي يرقى إلى مستوى الوحدة.. فالروابط الاجتماعية.. واللغة الواحدة.. والتاريخ المشترك.. تحتاج إلى توثيق وتصديق يمر عبر قنوات عديدة تسبقها دراسة وتخطيط شامل.. بدءاً بتعزيز لتلك الروابط الاجتماعية.. ومروراً بتسخير اللغة الواحدة في إعداد مناهج تعليم موحدة تؤدي إلى خلق وتوثيق روابط فكرية وثقافية مشتركة.. وسن نظم وقوانين اقتصادية مرنة كفيلة بخلق مجتمع عربي اقتصادي واحد ومتكامل..
بمعنى آخر.. الرقي بمفهوم الوحدة لتكون أسلوب حياة يمارسه المواطن العربي، ويعيشه في إطار حياته اليومية فهو صاحب الشأن أولاً وأخيراً.. وهو صاحب الحق في تقييم الفائدة المرجوة من تلك الوحدة.
فالمجتمع العربي بكل ثرواته وطاقاته البشرية.. وانتماءاته التاريخية، والعقائدية المشتركة.. والتي تشكل أساساً لمجتمع متكامل غني.. ما زالت المجاعات تهدد العديد من أرجائه.. وما زال الكثير من ناطقي الضاد عاجزين عن نطقها أو كتابتها.
وإذا كان ذلك الانتماء العربي قد عجز في مرحلة سابقة من التاريخ عن أن يكون حقيقة ممارسة.. بأن أصبح زيفاً ونفاقاً سياسياً تتبادله الأنظمة فيما بينها لإضفاء مزيد من الشرعية عليها، فإن هذا الانتماء الآن وبعد أحداث الخليج، يواجه تحدياً أكبر لإثبات مدى مصداقيته لدى شعوب كثيرة اصطدمت بحقيقة أنظمة لا تختلف كثيراً عمن سبقها..
فالمظاهرات التي خرجت في بعض الدول العربية تأييداً لنظام العراق.. وتأكيداً لحقه المزعوم في الكويت.. ما كانت لتخرج لو أنها طالبت بإصلاح اقتصادي، أو تغيير سياسي. فما زال النظام في المجتمع العربي هو المخول الوحيد دون الشعب لتقييم ذلك الانتماء.. وما زال النظام أيضاً في مجتمعاتها متوقفاً على الأمزجة والظروف.
إلا أن ذلك كله لا ينفي حقيقة الانتماء العربي.. وهي حقيقة لا نستمدها من واقع التاريخ المدون فقط.. وإنما نستمدها أيضاً من حتمية المستقبل المشترك أيضاً.
ولكون ذلك الانتماء حقيقة لا رغبة قابلة للرفض أو الإيجاب.. ولكون هذا العالم العربي مثخناً بجراح أقعدته طويلاً عن الحراك.. فلنتوخَ الحيطة ونحن نشق الطريق من جديد نحو إشباع حاجة أبت أن تغيب.. وليكن طريقنا نحو ترسيخ انتمائنا.. مدعوماً بديمقراطية تشمل كافة أرجاء الشارع العربي.. تكون ضماناً لكبح جماح أي صدام آخر!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى