
وهكذا يختزل المفكر الإسلامي والمواطن الكويتي الدكتور عبدالله النفيسي، الديمقراطية الكويتية لتصبح قراراً بريطانياً، ويتراجع بالقرار الأميري بمنح المرأة حقوقها السياسية، ليصبح قراراً أمريكياً بفعل الضغط السياسي الذي فرضته الإدارة الأمريكية على الإرادة الكويتية!
ففي لقاء معه عبر قناة “الجزيرة” القطرية، تحدث الدكتور النفيسي عن تاريخ الديمقراطية في الكويت، مشيراً إلى أن بدء الديمقراطية في الكويت كان بفعل الضغط البريطاني آنذاك على المؤسسة الحاكمة، مما دفع بالشيخ عبدالله السالم فيما بعد للبدء بوضع دستور للبلاد، فالدكتور النفيسي لا يرى في مشوار الديمقراطية الذي قارب العقود الأربعة أي شكل من أشكال الإنجاز الفعلي لأن الكويت، وكما يقول، تعيش تجربة نيابية لا علاقة لها بالديمقراطية، لأن الديمقراطية الحقيقية تشترط تداول السلطة، وهو ما لم توفره الديمقراطية الكويتية، كما أن الديمقراطية تشترط أن يكون لكل المواطنين الحاصلين على الجنسية حق التصويت، وهذا أيضاً غير متوفر في التجربة الكويتية، وانطلاقاً من ذلك الواقع، فإن الدكتور النفيسي يرفض الديمقراطية الكويتية لأنها جاءت بفعل الإرادة البريطانية التي كانت ترغب في خلق شكل من أشكال التمثيل السياسي المحكوم سياسياً، وعلى نهج “قل ما شئت وأفعل أنا ما أشاء”!
حقاً لا شيء أبشع من تزوير التاريخ، واغتصاب حق أولئك الذين سطروا بجهدهم ومعاناتهم صفحات لا نزال نكتب فيها، وأرسوا لبنات لا نزال نبني ونشيد فوقها. وحديث الدكتور النفيسي حوى الكثير من التزوير في حق هذا الوطن وتاريخه وبناته.
فالديمقراطية، التي يقول الدكتور الفاضل أنها إرادة بريطانية، مهدت لها حركات تنويرية اتخذت من الكويت مهداً لها مع بداية القرن، فبعد افتتاح المدرسة المباركية، قامت “الجمعية الخيرية” في عام 1912 ـ 1913م للغايات الإصلاحية والخيرية التي تتطلبها حاجة الكويت، ثم أعقب ذلك افتتاح النادي الأدبي الذي ضم مئة شاب من الكويتيين الذين تفتحت قلوبهم وعقولهم على الحياة الحرة السليمة وألقيت فيه محاضرات أدبية وتاريخية، كان لها دوي بعيد ليس في الكويت وحسب وإنما في كل إمارات الساحل العربي، وتلك كانت النواة الأولى لليقظة الفكرية والوطنية في الكويت، حيث توحدت فيما بعد المساعي المخلصة من العناصر الكويتية النشطة لتفاوض حاكمها المرحوم أحمد الجابر الصباح عن حاجة الكويت إلى قيام مجلس بلدي منتخب من الأهالي للإشراف على تنظيف الكويت وتجميلها على غرار المجالس البلدية، فارضين على أنفسهم ضريبة تجنى من أموالهم بالإضافة إلى الرسم الجمركي المعتاد، وتتابعت فيما بعد انتخابات المجالس البلدية بأساليب بسيطة وبدائية إلى أن نظم جمهور من الكويتيين أنفسهم ورفعوا عريضة موقعة بأسمائهم تطالب بانتخابات لمجلس البلدية على غرار الانتخابات للمجالس البلدية في البلاد الأخرى، ثم طافوا بهذه العريضة يستمضونها من أهالي الكويت، ولم تكن تلك البداية في مشوار الديمقراطية شكلية، وكما يحاول دكتورنا الفاضل أن يروج، بل كان لها دور هام في شؤون كثيرة، وتكفي هنا الإشارة إلى دور مجلس المعارف في تحديد المناهج الدراسية، وفي اختيار المعلمين من فلسطين وغيرها، وهنا بدأ الدور البريطاني في إعاقة الديمقراطية الوليدة حين عرقلت السلطات الإنكليزية جواز سفر أحد المعلمين وذلك لأسباب سياسية، واستبدلته بآخر. ويستمر هذا الدور البريطاني الذي أشاد به الدكتور النفيسي في الديمقراطية الكويتية، حيث يرويه لنا أحد أفراد “الكتلة الوطنية” التي تشكلت في تلك الفترة، فيقول: “كانت إيعازات القنصل الكابتن ديكوري تقتصر على إعداد عريضة موقعة من جماعة بارزة من الكويتيين لا تقل عن خمسين شخصاً يطلبون فيها من الحكومة البريطانية تغيير نظام الحكم بالكويت، إما بجلب مستشار إنكليزي يدير كافة شؤون الإمارة، على منوال ما هو حاصل في البحرين أو إلحاق الكويت مباشرة بالتاج البريطاني شبيهاً بنظام الحكم القائم حينئذ في عدن، أما نحن فقد رأينا وجوب العمل لتدارك كيان البلاد لما فيه صالح الشعب الكويتي، وبات علينا استغلال هذا التوتر القائم بين السلطة والقنصلية البريطانية لمصلحة الشعب الكويتي، على أن لا يؤدي ذلك إلى تغيير جوهري في نظام الحكم المتعارف عليه. إن أغلبية الكويتيين تنفر من قيام حكم إنكليزي كائناً ما كان، ولكن جماعتنا يكونون ممتنين جداً لو أن القنصل ساعدهم على تهيئة نوع من أنواع الحكم الديمقراطي الذي تتمثل فيه إرادة الشعب”. واستمر نشاط جماعة “الكتلة الوطنية” فيما بعد، وأقسم أعضاؤها على الإخلاص لمبادئها وبرامجها والتي تلخصت في نقطتين هامتين:
الأولى؛ المطالبة بقيام مجلس تشريعي على أساس انتخابات حرة شريفة، والثانية؛ تناط بهذا المجلس كافة الصلاحيات للإشراف على تنظيم شؤون الإمارة. وفي ليلة ثلاثين من ربيع الثاني عام 1357هـ الموافق 1938م اجتمع كل أعضاء “الكتلة الوطنية” وصاغوا مطالبهم الديمقراطية في خطاب وجهوه إلى الشيخ أحمد الجابر، فخرج المجلس التشريعي الأول بعد انتخابات نزيهة ليتوج مسيرة الديمقراطية الكويتية فيما بعد.
وإذا كان للإنكليز من دور حقيقي، فهو في محاولاتهم فيما بعد وأد الديمقراطية، خاصة أن القنصل البريطاني الكابتن ديكوري لم يكن يتصور أن يكون بين الكويتيين من يملك زمام الرأي أو يحسن التصرف في الأمور، ولم يكن يتخيل أن يستغني المجلس عن مشورته والانصياع لحكمه، ثم لما بدت له تلك الروح الاستقلالية من جانب المجلس وحرصهم على السير بشؤون الكويت سيراً مستقلاً نزيها حازماً لا تردد فيه ولا وجل، بدأ يتحفظ معهم ويحذر جانبهم، فأخذ يتحوط لنفسه ويبالغ في تأكيده لحقوق الحكومة الإنكليزية المكتسبة في الكويت تارة بالأقوال وأخرى بالرسائل الرسمية المتكررة التي يعنونها باسم: صاحب السمو حاكم الكويت، ومن ذلك رسالته التي أكد فيها حقوق الحكومة الإنكليزية في معالجة الأمور الخارجية والدفاعية، كما عارض القنصل اطلاع المجلس المنتخب على أمر المعاهدات والاتفاقات الرسمية المكتوبة بحجة أنها سرية، بل لقد كان يبدي استياءه حين يغفله المجلسيون من حسابهم وعدم مراجعتهم له حتى في الشؤون الإصلاحية المحلية، فهو يغضب لعدم مراجعة المجلسيين له في مراسلاتهم مع وزارة معارف العراق ثم مشيخة الأزهر بشأن قبول التلاميذ الكويتيين، ويغضب لجلب المجلسيين مهندساً معمارياً من العراق لاستشارته في وضع تصميم للمستشفى الأميري، وبعض البنايات المستجدة دون الرجوع إليه مسبقاً، وقد بالغ الإنكليز في رقابتهم على الديمقراطية الكويتية حين وصل الأمر إلى شؤون النفط، حيث استاء مدير شركة نفط الكويت الإنكليزي المستر سكوت من حزم وعزم أعضاء المجلس الذين جدوا في إلغاء كثير من الامتيازات والاحتكارات الضارة التي منحت بالطرق المشبوهة، حيث خشي أن يأتي دور امتياز شركة النفط الذي أخذ أيضاً بطرق وأساليب إرغامية.
وفي أكتوبر 1938م، اجتمع المقيم البريطاني مع الأمير ورئيس المجلس التشريعي (الأمة)، حيث جرت محادثات هامة كان أهمها البحث في أمر شركة الزيت، إذ طلب المقيم أن يكون اتصال الشركة مع سمو الأمير مباشرة ولا صلة للمجلس بها، مع كل ما يحمله ذلك من إنكار لدور الديمقراطية.
وهكذا، فقد عمد الدكتور عبدالله النفيسي إلى تزوير تاريخ وطنه وأهله في سبيل طموحات مرحلية هزيلة، ويسعى لأن يزور الحاضر ما استطاع للأسباب ذاتها، فكما نسب الديمقراطية في الكويت إلى بريطانيا، فإنه ينسب القرار الأميري المتعلق بحقوق المرأة السياسية لأمريكا، مؤكداً على أن تجربته كمستشار في مجلس الأمة في الأعوام 92-96، قد أكدت له ذلك، حيث كانت الوفود الأمريكية الزائرة تلح على ضرورة إشراك المرأة سياسياً، مما جعل قرار الأمير يأتي استجابة لذلك الحرص الأمريكي، ومن هنا، جاء استنتاج أستاذنا المفكر بأن ديمقراطيتنا كانت إنكليزية، أما حريتنا فهي أمريكية النكهة والقرار.
