غير مصنف

ديمقراطية أمن الدولة!!

[جريدة الطليعة 4/10/2000]

واقعة اعتقال الطلبة الجامعيين محزنة ومؤسفة، وقد ضاعف من ذلك الحزن والأسف صيغة وطبيعة الأسئلة التي جاءت في مضمون التحقيق بين أمن الدولة وبين المعتقلين من قائمة “الوسط الديمقراطي” حيث أثار المحققون أسئلة مباشرة تتعلق بطبيعة علاقة هؤلاء الطلبة بالمنبر الديمقراطي، وعما إذا كانوا أعضاء في المنبر، أو أنهم مدعمون من قبل المنبر، ثم عن قصدهم بإصلاح السلطة التنفيذية، وعن سبب تعرضهم للحكومة!! ثم يختتم المحققون استجواباتهم بتهديد واضح وعلني لهؤلاء الطلبة، حيث اختتم المحقق تحقيقه بإنذاره للطلبة قائلاً: “هل تعتقدون أننا لا نعلم عن أعمالكم في الجامعة أنتم وغيركم”؟
تحقيق قد يكون طبيعياً وروتينياً في مجتمع سياسي كالعراق مثلاً، أو في أي من دول العالم العربي التي تخفي ديكتاتوريتها وتسلطها بمجالس شكلية من ورق، وبانتخابات مصنفة مسبقاً بنتائجها وبمقاعدها وأصواتها، لكن أن تطرح أسئلة كهذه في مجتمع سياسي منفتح وحر، وفي دولة تحتضن برلماناً منتخباً وصحافة تمارس النقد مباشرة وبلا حرج ولا تزوير، ومواطنين أحراراً لا يخشون اعتقالاً جائراً ولا عنفاً جسدياً أو لفظياً، نقول أن تطرح أسئلة كهذه في الكويت منارة الحرية والديمقراطية وتعدد الآراء يكون أمراً في قمة التناقض، ومسألة في غاية الخطورة تتطلب منا وقفة جادة وحازمة للتمعن والتدقيق في ماهية وطبيعة حقوقنا السياسية والمجتمعية المكتسبة، وحقيقة موقعنا كدولة ديمقراطية، وكمجتمع سياسي حر وتعددي!!
ليست هذه بالمرة الأولى التي تثار فيها مسألة الانتماءات السياسية للطلبة، خصوصاً القياديين منهم، أو الذين يخوضون الانتخابات سواء على مستوى الكليات أو على مستوى الجامعة بشكل عام!! فمع كل موسم انتخابات جامعية تبدأ القوائم بالتراشق بتهم الانتماء إلى تجمع سياسي معين، أو إلى فكر سياسي ما، ويصبح معها الانتماء السياسي أو الفكري (تهمة) يتقاذفها المتنافسون ويتراشقون بها، وتساهم إدارات الجامعة والمعاهد في التركيز والتحذير من (مغبة) و(خطورة) الوقوع في (خطيئة) الانتماء السياسي، و(مشكلة) الاتهام بالدعم أو المساندة من قبل تيار سياسي أو فكري من خارج الحرم الجامعي أو التعليمي!! نحن ندرك كتربويين وكأولياء أمور بأن من الضروري أن تكون للطالب استقلالية فكرية، وأن يركز اهتماماته وجهوده على شؤون الجامعة والطلبة!! لكننا كذلك ندرك بأن الطالب ليس نبتاً شيطانياً، بل ينتمي لمجتمع يتناول شتى الأفكار والآراء وأن الشؤون الجامعية ليست أموراً معلبة ومخصصة للجامعة، وإنما تحمل امتداداً طبيعياً في المجتمع، بمعنى آخر أن الطالب خصوصاً في مراحل التعليم العالي يكون قد تشكل فكرياً وسياسياً بصورة يفترض معها أن يبرز وبشكل واضح انتماؤه السياسي والفكري والذي بطبيعة الحال سيتدخل في انتماءاته الطلابية والانتخابية!! وسينعكس على عملية الانتخابات الجامعية بشكل عام.
لم يكن بإمكان الطلبة التحلي بكل هذا الحماس الذي تتميز به انتخابات الجامعة والمعاهد العليا لو أنهم لم يكونوا بالانتماء جزءاً من مجتمع أمتهم الديمقراطية، وإن أسلوب الحوار والتعامل مع حماسهم ونهجهم الديمقراطي بمثل هذه الصورة التعسفية التي مارسها رجال التحقيق في أمن الدولة، يعرضهم للوقوع في تناقض خطير وسلبي، ويعرض ديمقراطيتنا وحريتنا للخطر وللتهديد، خصوصاً وأن جزءاً كبيراً من هؤلاء الطلبة قد وصلوا أو شارفوا على سن الانتخاب والتعبير السياسي. أما محاصرتهم وتأنيبهم على التعرض لأمور كالمطالبة بإصلاح السلطة التنفيذية أو التشريعية، فهو أمر يعرضهم للانغلاق والانعزال عن محيطهم المجتمعي والسياسي والذي طالما نادينا وطالبنا بإشراك الشباب وإسهامهم فيه، خصوصاً وأن هذه القضايا من أكثر المسائل طرحاً ونقاشاً في المجتمع وتحت قبة البرلمان.
لقد حمل تدخل أجهزة أمن الدولة في العمل الطلابي انتهاكات عدة، فهو أولاً قد انتهك استقلالية الجامعة، وانتهك حق الطالب في التعبير والحوار، أما الانتهاك الأكبر، فهو انتهاكه لحق المجتمع في أن يمارس ديمقراطيته وحريته كما نص عليها الدستور وأعلنها، قبل أن تنتهكها وتستبيحها ديمقراطية أمن الدولة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى