القضية الفلسطينيةملفات ساخنة

دولة.. حتى النصر

دولة.. حتى النصر

بعد توقيع اتفاق واشنطن.. أصبح الهم الأكبر للقيادة الفلسطينية الحالية.. هو في كيفية التحول من (ثورة) إلى (دولة).. وبحيث تفاوتت الآراء في الأولويات، فمنهم من يرى أن الأسلوب الأمثل هو في التحكم بمصادر التمويل وذلك لإضفاء نفوذ أكبر على كيان المنظمة.. والتي هي الممثل الرسمي والوحيد للشعب الفلسطيني.. ليس برأي الفلسطينيين وحسب.. وإنما برأي العالم من حولنا.. وهناك آراء أخرى ترى في أن فرصة المنظمة في التحول نحو الدولة.. هو من خلال تأكيد مسؤوليتها عن الجانب الأمني الخاص بالمواطنين.. أبناء الدولة الفلسطينية.. سواء من خلال الإصرار على إطلاق سراح الفلسطينيين المعتقلين في سجون إسرائيل.. أو من خلال نشر الجيش والشرطة.. إلا أن أكثر الآراء حضوراً في مسألة التحول من (ثورة) إلى (دولة) هو الرأي القائل بالنهج الديمقراطي.
وأياً كانت التنبؤات حول ماهية المرحلة الانتقالية.. فإن المراقب للوضع من بعد توقيع اتفاق واشنطن يدرك، بما لا يقبل الشك، الصعوبة التي تواجهها المنظمة في طريقها الطويل نحو التحول إلى قيادة دولة.
قد يرى البعض في هذا الوطن.. أن ما يجري على الساحة الفلسطينية هو هم وشأن فلسطيني بحت.. وسواء أخذ الفلسطينيون بالنهج الديمقراطي.. أو الديكتاتوري.. فإن ذلك لم يعد يعني للمواطن في عالمنا العربي عموماً شيئاً.. وحمامات الدم التي فتحت في غزة.. هي ضريبة الصراع الدائر بين الفلسطينيين وحدهم وفي مسألة من يدخل بوابة أريحا أولاً!!
قد لا نبالغ كثيراً إذا ما قلنا، أن ذلك الجانب المتمثل في سلبية الشارع العربي تجاه اتفاقيات السلام المبرمة، وكذلك تجاه تفاقم الصراع بين العناصر الفلسطينية، هو أكثر الأمور تهديداً لمستقبل المنطقة العربية بأكملها.
نحن جميعاً، كشعوب عربية، معنيون بالشكل وبالأسلوب اللذين ستستقر عليهما الأمور في الدولة الفلسطينية. فكل ما حدث في المنطقة من مشاكل.. وحروب.. وقلاقل من بداية منتصف القرن الحالي.. هو لا شك مرتبط ارتباطاً مباشراً بما عبرت وتعبر به المسألة الفلسطينية، سواء كان ذلك من حيث التوقيت الزمني والتاريخي أو من حيث نوع تلك الأحداث وماهيتها.
فالعالم العربي بأكمله، ومنذ قيام إسرائيل، قد انقسم إلى دول مواجهة، تطل مباشرة على حلقة الصراع العسكري، وأخرى غير مواجهة.. بل وحتى أنظمة الحكم العربية.. تم تصنيفها بناء على أسلوب تفاعلها مع القضية الأم.. فأصبحت بذلك أنظمة رجعية.. وأخرى قومية وثورية.. واستمرت التقسيمات قائمة حتى فيما بعد معاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية… وبحيث برز إلى الوجود تصنيف دول الصمود والتصدي وذلك في مواجهة التراجع المصري، بل وحتى التاريخ العربي أصبح يؤرخ بقبل حرب عام 48.. أو فيما بعد حرب 67.. أو خلال حرب 73.. وما تبع ذلك من تسميات أخرى مثل جيل الـ 67.. أو جيل الـ48.
جميعنا – كشعوب عربية – لا شك معنيون مباشرة بالتفاصيل التي ستفضي إليها عملية إحلال السلام في المنطقة.. فكما كان قيام الدولة اليهودية ومن ثم حرب الـ48… نقطة تحول في ملامح المنطقة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. كذلك تكون مرحلة السلام..
وبالطبع، فإن تلك العلاقة ليست من جانب واحد فقط.. فلا شك أن أنظمة الحكم العربية قد فرضت أداءها ونمطها على القيادة الفلسطينية المتأهبة للإمساك بزمام الأمور في غزة وأريحا، فأجهزة الشرطة.. ومكافحة الشغب الفلسطينية هي أول ملامح الدولة.. والهيمنة على صناعة كل القرارات هي ما يميز رئيس الدولة “ياسر عرفات”. فهو رئيس للقرار السياسي.. ولبرامج التنمية.. وللمجلس الاقتصادي.. ومسؤول عن إعادة الإعمار.. وعن الشؤون العالمية.. إلخ، وهو بذلك مطابق تماماً لمواصفات الزعامة والقيادة العربية.
لعلَّ التحول الأكبر في مسيرة التحول الفلسطيني من ثورة إلى دولة.. هو في تحول المناضل والمقاتل الفلسطيني إلى مواطن مدني يفكر ويعمل وينتج ويسهم في بناء المجتمع السلمي الذي رواه بدمه.. وقاده بكل مشاعر الخوف والقلق والترقب.
التحول الأكبر الآن هو في إقناع المقاتل الفلسطيني بإلقاء السلاح.. وتفهم حقيقة اختلاف متطلبات مرحلة السلام عن مرحلة الحرب والصراع.. فاحتياجات مرحلة القتال التي كانت سائدة.. لن تبرر استمرار بقاء المقاتل على رأس القرار في زمن السلم.. والذي هو زمن المعلم.. والمفكر.. والمبدع.
ولعلَّ في ذلك الخلط.. وعدم تنسيق الأدوار يكمن السبب في تحول الثورات العربية.. إلى سلطات تعسفية.. وحكومات مدنية.. ولكن بعقلية عسكرية.. وهو ما لم يشذ عنه القائد الفلسطيني “ياسر عرفات“، والذي يبدو أنه مصر على أن يقود الدولة بزيه العسكري.. تأكيداً منه على استمرار دور المقاتل في إدارة الدولة رغم زمن السلم القادم.. ولعلّ ذلك هو ما أكدت عليه القيادة الفلسطينية من خلال إصرارها على مشاركة أقدم معتقل فلسطيني (سليم الزربعي) في مفاوضات طابا.. إعلاناً منها ولا شك على استمرار دور المقاتل.
سيبقى الخيار الديمقراطي هو المؤهل الوحيد.. والمنطق المضمون لانتشال ما تبقى من القضية الفلسطينية.. خاصة وأن قيادة الدولة بمفهوم الثورة.. وإدارة (القائد) بمفهوم المقاتل.. ستخلق ولا شك برلماناً بحماية السلاح والكلاشنكوف.. وحراسة الشرطة الفلسطينية.. ومخابرات المنظمة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى