دولة الحق والعدالة والمساواة

دولة الحق والعدالة والمساواة
لن يكون التحوُّل في المجتمعات العربية بعد الربيع العربي سهلاً.. فالمنطقة لاتزال في حالة فراغ سياسي واضح، بل يمكن القول بأن العالم العربي، وبفعل ثورات الربيع العربي، انتقل من مرحلة الفساد السياسي إلى مرحلة الفراغ السياسي.
لقد طرح الربيع العربي فكراً جديداً مغايراً ومختلفاً تماماً عن الفكر التقليدي الذي كان سائداً في الماضي، ففكر الحريات والمطالب الشعبية والديمقراطية ورفض القيود والمحاذير السياسية والفكرية.. كل هذا أصبح واقعاً في عالمنا العربي، الذي عاش أهوال الاعتقال والحرمان والقيد والإرهاب.
ظهور مثل هذا الفكر الحُر، هو بحد ذاته خطوة جبارة لا يمكن التقليل من شأنها ولا من أهميتها في فرض التغيير والإصلاح المطلوبين.
لقد نمت مرحلة الفساد السياسي وازدهرت، بفعل غياب حرية الكلمة والإعلام، واحتكار حرية التعبير والصحافة، وضعف القوانين وغياب الشفافية بين الشعوب والأنظمة.
وإصلاح مثل هذه المرحلة البائدة لن يكون بعصا سحرية، بل بتفعيل للديمقراطية وللأحزاب الحاكمة، وبفتح آفاق الحريات والحقوق الفردية والعامة، وهنا يبرز التحدي الذي يواجهه الربيع العربي اليوم.
فالفراغ السياسي الذي أحدثه تهاوي بعض أنظمة الحكم العربية التقليدية سيؤدي حتماً إلى تدهور في أوضاع المجتمع، وسيعمل على استفحال الجريمة، وشلل الاقتصاد، وتراجع العملة.. وغير ذلك مما نراه اليوم في عواصم الربيع العربي، لكن كل ذلك يبقى مرحلة مؤقتة ومتوقعة عند كل انهيار لفكر قديم وبداية فكر جديد.
حين غرقت بغداد في فوضى الفراغ السياسي، إثر الإطاحة بنظام صدام حسين في العام 2003، كان الواقع العربي مختلفاً تماماً، ولم تكن الحرية والديمقراطية من المبادئ المطروحة من قِبل الشعوب، كما هي الحال اليوم.
لذلك، فقد ساهم غياب الدور العربي آنذاك بسقوط العراق في الفخ الإيراني، لكن مثل هذا الوعي والواقع تغيرا كثيراً، وبفعل ما طرحه الربيع العربي من فكر جديد، لم يعد الأمن هو المطلب الوحيد، بل تفوقت عليه مطالب الحرية والديمقراطية والتعددية ونزاهة الانتخابات والحرب على الفساد، وهو أمر انعكس، وبشكل مباشر، على الحالة السورية، بحيث أصبح احترام إرادة الشعب السوري أولوية في كل ما يطرح من رأي وقرار.
لقد ضاعف من حدة الفراغ السياسي في العالم العربي فشل الإخوان الذين تسلقوا الثورات في تحقيق طموحات الربيع العربي.
فالفكر الحُر والمزاج الديمقراطي اللذان سادا المناخ العربي في العامين السابقين، هما بلاشك خارج أجندات الإخوان والسلف وغيرهما من تيارات الإسلام السياسي، والكرة واللعبة بأكملهما الآن في مرمى التيارات التقدمية والليبرالية الحرة، لملء هذا الفراغ.
إن مرحلة البناء عادة ما تكون أكثر صعوبة وتحدياً من مرحلة الهدم، ولا يوجد بناء مجتمعي وسياسي صلب ومتماسك إلا بتشييد دولة الحق والعدالة والمساواة.. هذا الثالوث هو الذي مكَّن أوروبا من النهوض والتقدم.. ومن خلاله وبواسطته فقط يمكن أن يملأ العرب فراغهم السياسي.

