ملفات ساخنة

دمعة بغداد

دمعة بغداد

بثت قناة “العراقية” الفضائية بعد أول جلسة عقدتها المحكمة الجنائية العراقية العليا لمحاكمة الرئيس المخلوع صدام حسين وسبعة من كبار مساعديه، أوبريت غنائياً تؤديه مجموعة من أطفال العراق، حيث ينشد كل طفل مقطعاً يصور فيه معاناة منطقة من مناطق العراق جراء حكم صدام حسين! وبحيث يغطي أولئك الأطفال في الأوبريت كل المناطق العراقية المنكوبة! المشهد في الأوبريت يصور الأطفال داخل محكمة يحكم فيها القاضي في النهاية بإعدام صدام، بينما يختم الأوبريت بمقطع مؤثر يقول فيه القاضي موجهاً حديثه لصدام بأنك خجلت العرب ونزلت دمعة بغداد!
الذين يتابعون محاكمات صدام حسين تركزت انتقاداتهم في مسألتين؛ الأولى كانت في اعتراضهم على أدب القاضي “رزكار محمد أمين” الذي رأى الكثير أن سلوكه الرزين والمؤدب لا يتلاءم مع همجية ووقاحة المتهمين! وأنه قد فشل بسبب أدبه في السيطرة على الفوضى التي افتعلها المتهمون داخل قاعة المحكمة!
والحقيقة أن القاضي “رزكار محمد أمين ” قد أدى دوره بجدارة وحنكة وأن حضوره في قاعة المحكمة كان حضوراً رزيناً وراقياً! ولعل الصفة التي أثارت البعض هي بالتحديد ما أهلت القاضي “رزكار محمد أمين ” ليكون بالفعل قاضياً نزيها وحاكماً بالعدل! فلو أنه شتم وزجر المتهمين وعاملهم بمثل أخلاقهم لكان بالفعل مستحقاً للنقد! لكن على ما يبدو أن المواطن العربي لم يتعود على مثل هذه النزاهة والرقي في إدارة جلسة المحاكمة، فكل المحاكمات العسكرية التي شهدها العالم العربي كانت ساحة للشتم والعنف، حتى أنها أصبحت حكايات يتندر بها الناس ويتناولونها بقدر كبير من السخرية!
أما المسألة الثانية التي واجهت نقداً وإن كان أغلبه من الكويت والعراق، فقد كانت في هيئة الدفاع التي كان على رأسها وزير الدفاع القطري السابق نجيب النعيمي الذي كان تواجده مبعثاً للدهشة!
فالدفاع عن صدام حسين وأعوانه هو بالتأكيد ليس سهلاً خاصة في ظل التهم الموثقة بالأدلة والشهود، بل وحتى بالأفلام المسجلة!
صحيح أن من حق كل متهم أن يكون له محامٍ يدافع عنه ما استطاع! وصحيح أيضاً أن يتعرض المحامي عبر ممارسته المهنة لظروف قد تجبره أحياناً أن يترافع عن مجرم أو قاتل تأكدت إدانته أو جريمته، لكن الوضع في حالة الدفاع عن متهم كصدام حسين أو أي من أعوانه يختلف عن كل التجارب التي مرت في تاريخ كل المحامين! مما يجعل الناس يبحثون عن أسباب ودوافع لتولي الوزير القطري السابق مهمة الدفاع عن صدام حسين غير الأسباب الإنسانية أو المهنية التي يصر عليها الوزير القطري النعيمي!
ولعل الناس هنا محقون في شكوكهم، فأصداء فضيحة الكوبونات النفطية لاتزال عالقة والأرقام الفلكية التي كان أولئك المؤمنون بصدام حسين يقبضونها قد تجعلهم يعيشون عالماً تكون فيه الأوضاع مقلوبة!
المحاكمة ستستمر والدفاع سيبقى في موقعه لأن في التراجع إدانة قد يفوق حجمها حجم الاستمرار، لكن النعيمي سيسقط دموعاً غزيرة من عين بغداد! وإذا كان صدام حسين قد أخجل العرب، وأنزل دمعة بغداد وفقاً لأوبريت أطفال العراق فإن النعيمي قد تجاوز مهنة المحاماة وأنزل دمعاً كثيراً من عين بغداد!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى