شئون عربية

دعوة للبكاء أم للضحك؟

دعوة للبكاء أم للضحك؟

اتهمت صحيفة بابل التي يصدرها ابن زعيم النظام العراقي.. اتهمت الزعيم الليبي بأنه يحاول أن يسرق من صدام حسين دور “زعيم الجماهير العربية”. جاء ذلك بعد أن قارنت إحدى الجرائد الليبية موقفاً للسياسة الأمريكية تجاه ليبيا.. بسياسة العراق تجاه الكويت.. مما أثار غضب الجريدة العراقية التي رأت أن الزعيم الليبي تعيش في داخله عقدة اسمها صدام حسين.. ومن كونه قائداً للأمة العربية.
ذلك هو موجز خبر أوردته جريدة “الحياة” في عددها الصادر بتاريخ 3 مارس 1992.. ولم أعرف شخصياً هل هي دعوة للبكاء أم للضحك؟!! ولا أعرف هل منشأ ذلك التشبيه عائد إلى تهديد الزعيم الليبي بحرق آبار نفطه إذا ما تعرض لاعتداء من أمريكا أم ماذا!! ولكن الذي أعرفه جيداً أنها حقيقة ثابتة تؤكد وتعزز كيف عجزنا كأمة عربية.. بكل تاريخنا وحضارتنا.. مع كل أموالنا وثرواتنا.. عجزنا أن نحرر شجرة ليمون واحدة.. أو حتى زيتونة واحدة من الأرض المحتلة.. منذ وطأتها قدم المحتل. تهيأ لي وأنا أقرأ الاتهامات التي تبادلتها الحكومتان الليبية والعراقية أننا قد توصلنا كأمة عربية لحل جميع المشاكل التي يعاني منها هذا الوطن من المحيط إلى الخليج.. خُيّل لي أننا قد أنهينا مشكلة لبنان.. ومشكلة الخليج.. وتوصلنا إلى الحل النهائي لمشكلة الديمقراطية وحرية القول والتعبير.. وقضينا على الأمية.. والفقر والمرض.. وأننا قد وأدنا وإلى الأبد مشاكل الطائفية والعشائرية والقبلية.. ونجحنا في توحيد الصفوف وحشد الطاقات لمجابهة المتآمرين على الأمة العربية.. وإلى الأبد، فأصبح الطريق بذلك ممهداً لوحدة عربية تربط أرجاء الوطن الواحد.. ولم يبق أمامنا سوى ترشيح زعيم عربي ليقود هذه الأمة!!
ومع ذلك كله.. فهناك من يعتب على دول الخليج ويستذكر استدعاءها للأجنبي وتخطيها للحل العربي المحلي لأزمة الغزو العراقي للكويت.
الحل العربي لأزمة الكويت السابقة في بداية الستينيات كان حلاً حازماً وقاطعاً.. حين رفض العرب كل العرب.. مطالب الزعيم العراقي آنذاك في الكويت يوم كانت الدول العربية أقل عدداً وأكثر رجولة.. يوم كان صوتنا واحداً صلباً في كل المحافل الدولية.. وجسدنا شامخاً وعراً كشجرة السنديان.. أما الآن وبعد أن أصبح لنا مائة صوت.. وجسد كالجبنة الفرنسية مليء بالثقوب.. وعزيمة خائرة لا تقوى على هزيمة ذبابة.. فلا عجب إذن أن تستباح لبنان.. وتهادن إسرائيل وتُغتصب الكويت.
حين فوجئ النظام العربي بانفجار أزمة الخليج في أعقاب العدوان العراقي.. تباطأ.. وتلكأ طويلاً.. قبل أن يجتمع في العاشر من أغسطس في القاهرة.. ليصنع قراراً عربياً واحداً لكيفية التعامل مع ذلك الوضع الشاذ.. والذي شاهد منا وقائع الجلسة السرية لمؤتمر القمة الطارئ والذي عقد في القاهرة في أعقاب تفجر أزمة الخليج الثانية.. لن يجد صعوبة تُذكر في معرفة سبب الفشل العربي الذريع عن الخروج بأدنى قدر من الاتفاق على معالجة الوضع وليرى كيف أن الذين أباحوا دم الكويت.. هم ذات الأفراد الذين تعثرت كل القضايا العربية من قبل بين أيديهم.. وهم نفس الأفراد الذين مرروا قضية لبنان.. ووأدوا قضية فلسطين.. وأغمضوا أعينهم عن مجازر أيلول الأسود.. وصبرا وشاتيلا.. فتحدثوا في ذلك المؤتمر وببراعة وبطلاقة مدهشة.. عن اليمين.. واليسار العربي.. عن الكونغو.. وفيتنام.. عن الرجعية، ووحدة الهدف.. ووحدة المصير عن أطماع الإمبريالية والتلاحم الجماهيري.. وعن أن أحداً لا بد وأن يدفع الثمن حتى تتوحد أجزاء الوطن الأكبر.. فكان أن انفض اجتماع القمة الطارئ.. وانتفض معه جسد الأمة العربية ليتحول إلى أشلاء.
فبينما كان الزعماء العرب يلملمون قواهم بالكاد في محاولة يائسة لملاحقة التطورات في الخليج.. والتي كانت تنذر بالفعل بتهديدات كبرى تشمل المنطقة بأكملها.. كان النظام الدولي الجديد قد أخذ في يديه إدارة أزمة الخليج برمتها.. فكان من الضروري على الزعماء العرب الذين ألفوا وأخرجوا مؤتمر الهزيمة في القاهرة.. كان عليهم أن يبرروا موقفهم من الأزمة.. فكان إن اتكئوا بثقلهم على رفض التواجد العسكري الأجنبي.. بحيث ظل ذلك الرفض هو محور الجدل.. فقد أنعش ذلك التواجد الأجنبي ذاكرة شيوخ النضال العربي.. وأعاد لأذهانهم فجر وشباب نضالهم ضد الاستعمار والسيطرة الأجنبية.
لقد فشل النظام العربي سياسياً.. ودبلوماسياً عن تحقيق أي نجاح في إدارة الأزمة.. وتباينت مواقف أنظمة الدول العربية الكبرى لدرجة التعارض.. وازدادت الهوّة اتساعاً بين المعارضين لاستدعاء الأجنبي.. والمطالبين بالانسحاب العراقي.. إلى درجة أثبتت استحالة وليس فقط فشل فكرة الحل العربي للأزمة.. وزاد من تدهور النظام العربي من إدارة الأزمة سياسياً.. تبني النظام الدولي مُمثلاً بالأمم المتحدة لخطوة الإدانة الواضحة دون لبس أو تأويل وفي نفس اليوم الذي وقع فيه الغزو بقراره المصنف رقم 660.
أما النظام العربي فقد توقف عند شجب واستهجان الاستعانة الأجنبية.. والتشكيك بعدالة الشرعية الدولية.. والتي تكيل بمكيالين.. فتغفر وتسمح لإسرائيل ما تُنكره على دول عربية أخرى، واستمر مسلسل الدعوة للحلول الدبلوماسية العربية الهادئة.. دون أن يكون هناك أدنى ضمان لحل آخر في حال فشل الدبلوماسية العربية عن تحقيق أي نجاح.
إن الأنظمة العربية التي أدانت الاستعانة بالقوات الأمريكية ومتعددة الجنسيات.. وبررت ذلك على كونه أسلوباً قد يدفع في اتجاه الحل العسكري للأزمة.. وفرصة تمكن أمريكا من تدمير القوة العسكرية العراقية لصالح إسرائيل.. لم تقدم بديلاً أو خياراً عن ذلك الطريق.. كما أنها لم تستطع أن تُقدم مفهوماً عملياً واضحاً ومحدداً لإدارة الأزمة.. وإذا كانت الدبلوماسية ركناً هاماً من أركان الأزمة.. فإن المقدرة العسكرية ركن مقابل لا يقل أهمية.. إن لم يكن أساساً لتحقيق أي نجاح في إنهاء الأزمة، والأنظمة العربية تعلم أكثر من غيرها أنها لا تملك القدرة العسكرية.. على ردع النظام العراقي عن مواصلة عدوانه على بقية دول الخليج.. ناهيك عن إنهاء وجوده في الكويت بالردع العسكري.
لذلك فعلى افتراض أن دول الخليج قد قبلت بالدبلوماسية العربية الهادئة فمن سيؤمن الموازنة العسكرية في حالة فشل الجهود الدبلوماسية!!
وهكذا فقد جاء الفشل العربي الدبلوماسي بحل الأزمة.. متماشياً جداً مع عجزها العسكري.. إما من حيث التجهيز والعتاد.. أو من حيث الفعالية والقدرة العسكرية.
فحتى لا نكون شهود زور على تاريخنا.. لنحاول التمعن فيما تبقى صالحاً وقائماً على خريطة الوطن العربي.. ولندون كيف شاخت كل قضايا الوطن العادلة وهي تتسول العدالة على أرصفة المحافل الدولية.. والأنظمة العربية مشغولة بنحرلبنان.. وتجويع السودان وتمجيد الطغاة.
ولنتوقف طويلاً لما حدث بين خميسين؛ خميس الثاني من أغسطس.. وخميس السابع عشر من يناير.. لنؤلف على ضوئه مجلدات مبوبة.. تحوي مئات القصص والصور عن مصيبة العرب لبعض العرب.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى