شئون خليجية

دروس في إدارة الخلاف من اليمن السعيد

جريدة الطليعة 2 - 1994/2/8

لا شك أن الصراع اليمني الداخلي، يتميز عن غيره من الصراعات العربية الداخلية والخارجية منها.. وذلك بكونه استطاع الخروج بحل سياسي مرضٍ لجميع الأطراف تقريباً.. وهو أمر لم نألفه في أسلوب إدارة النزاعات العربية الداخلية. والتي غالباً ما يحسمها العسكر.. وبذلك تكون الغلبة دائماً لمن يأتمر الجيش بأمره.. أو أن ينتهي الصراع بانتهاء (العصر البائد) والذي هو دائماً صفة تساق لنعت ما سبق من نظام.
في الأنظمة الديمقراطية.. يحتكم الصراع الداخلي دائماً إلى المؤسسة الديمقراطية. من برلمان وأحزاب.. بينما في الأنظمة العربية.. تلوح تباشير الحرب الأهلية دائماً مع أدنى صراع داخلي.. وذلك بالتأكيد لضعف المؤسسة الديمقراطية أساساً.. والتي تُثير صراعات مثل هذه.. تساؤلات حول حقيقة وجودها.. أو حول فعالية دورها إن كانت قائمة فعلاً!!
فعلى الرغم من إدعاء أغلب الأنظمة العربية بالديمقراطية والتعددية.. وبالتزاماتها بالدستور المقر من قبل الشعب والهيئات الديمقراطية.. إلا أن الالتزام بما ورد في تلك الدساتير هو ظاهرة نادرة في عالمنا العربي.. خاصة عندما يكون الأمر متعلقاً بالسلطة. وإعادة الانتخاب.. أو (التزكية) كما هو حال الانتخابات الرئاسية في الدول العربية التي تعمل بالنظام الرئاسي.
لذا فإن المشكلة في تلك الدول هي مشكلة عدم الالتزام بالدستور والنهج الديمقراطي.. أكثر من كونها مشكلة إقرار وصياغة دستور.
الأزمة السياسية في اليمن.. وأسلوب الحوار الذي تسعى من خلاله الأطراف المتنازعة في اليمن للخروج بوثيقة “العهد والاتفاق” المتوقع توقيعها في نهاية الشهر الحالي.. هو بلا شك أسلوب يحمل تجربة جديدة وغريبة للمواطن العربي.. لذا فقد كان من المتوقع أن تنادي أقلام بوجوب اتخاذ مواقف أملتها ولا شك روح العسكر التي تتلون بها دائماً الحلول العربية للخروج من الأزمات.. والتي انعكست ولا شك على أسلوب البعض في وضع الحلول. فالدعوة التي وجهها أحد الكتاب لوجوب الحسم العسكري لإنقاذ الوحدة اليمنية.. ومناشدته للرئيس اليمني “علي عبدالله صالح” (بضرورة دك ما تبقى من معاقل الشيوعية البائدة في اليمن الجنوبي) وذلك على حد تعبير الكاتب. حرصاً منه على استمرار الوحدة اليمنية التي تتطلع لها الجماهير العربية كأول النماذج الوحدوية الناجحة.. دعوة الكاتب هذه.. ما هي إلا ترجمة لمدى تأثر المثقف العربي.. بأسلوب العسكر الذي ساد.. وتصدر حلول الأزمات العربية دائماً.
الأزمة في اليمن.. كما تدرك الأطراف اليمنية.. وأيضاً كما يدرك ذلك الكاتب وغيره من مثقفي العسكر العرب.. ليست بسبب خلاف على الوحدة. وإنما هو خلاف أساسه السلطة والتفرد بالرئاسة.. وهو خلاف ألفه وعهده المواطن العربي منذ تشكلت خارطة الوطن العربي الحديثة.
والصراع على السلطة هو أكثر ما يُميز الأنظمة السياسية العربية. وهي قضية فسرها الكثير على كونها نتاجاً طبيعياً لضعف المؤسسات الديمقراطية في عالمنا العربي. وهو أيضاً الأمر الذي يُميز البيئة السياسية اليمنية والذي جعلها تختلف بنهجها الديمقراطي الذي استطاع أن يُجنب اليمن بشقيه مضاعفات الصراع. فالديمقراطية.. والأحزاب السياسية في اليمن شكلت صمام الأمان لجميع الأطراف والتي كانت وإلى ما قبل مايو 1990.. تتبع نظامين سياسيين مختلفين.. إلا أنه وعلى الرغم من الفارق الشاسع بين النظام السياسي الشمالي.. والجنوبي.. إلا أن كلا الطرفين. آثر تقديم التنازلات.. على البقاء ككيانين منفصلين.
ففي كتابه “أنماط الاستيلاء على السلطة في الدول العربية” للكاتب صلاح سالم زرتوقة يرصد الكاتب طريق السلطة في اليمن الشمالي في الفترة من 1950 – 1985. حيث وقعت ثماني حالات خلافة.. منها واحدة سلمية، وسبع حالات عنيفة ومنها ثلاث في ظل النظام الملكي.. كان ترك العرش في اثنين عن طريق العزل بالقوة. وعن طريق الوفاة الطبيعية في واحدة (رغم محاولة الاغتيال). وكان تولي العرش عن طريق القوة في حالتين.. وبرزت الإرادة الشعبية في إحداها. وعن طريق وراثة ولي العهد في واحدة. وخمس حالات تمت أربع منها في إطار نظام عسكري في حين أسست الأولى منها هذا النظام.. وكان ترك السلطة في الحالات الخمس عن طريق العزل بالقوة أو الاغتيال. وكان الوصول إلى السلطة عن طريق استخدام القوة عدا الحالة الأخيرة التي اتبعت الإجراءات الدستورية في تولي السلطة.
بينما سرد الكاتب طريق السلطة في اليمن الجنوبي. حيث حدث في هذه الدولة التي لم تكن تملك عند تأسيسها في العام 1967 تقاليد للعمل السياسي.. حدث وفي هذه الفترة القصيرة خمس حالات خلافة حتى العام 1985 منها ثلاث حالات سلمية. وحالتنا اتسمتا بالعنف حيث تم عزل الحاكم فيهما بالقوة.. وكان خلو كرسي الرئاسة في هذه الحالات الخمس على النحو التالي: الإعفاء من المنصب لانتهاء المدة القانونية وذلك في حالتين.. ولأول مرة في تاريخ الخلافة في الدول العربية عامة. ثم التنازل الطوعي في حالة واحدة. والعزل بالقوة في حالتين وكان تولي السلطة عن طريق التعيين في ثلاث حالات. وكانت جبهة التحرير الوطنية هي القائمة بهذا التعيين.. وعن طريق الانتخاب في حالتين. وكان المجلس الشعبي الأعلى (البرلمان) هو الذي يمارس الانتخاب.
اليمن الواحد الآن.. أمام مُهمة تاريخية.. ليس في إنقاذ الوحدة وحسب.. ولا في تأطيرها كنموذج للعلاقة الواجب قيامها بين الدول العربية. والتي ظلت حلماً يراود الكثير.. أحبطه سقوط المشروع الوحدوي المصري السوري.. وأحياه من جديد نموذج الوحدة اليمنية.
مهمة اليمن التاريخية لا تقتصر على ذلك وحسب.. وإنما في أن تُشكل التجربة اليمنية في إدارة النزاع والصراع بين أطرافها.. أن تُشكل نموذجاً للمنافسة السياسية الحرة.. ومثالاً للأسلوب السلمي في تداول السلطة. والذي أثبتت التجارب العربية حتى الآن.. أنها لا تزال على قدر كبير من الجهل به!!

الطليعة 2 – 1994/2/8

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى