
بعد يومين ستحل ذكرى الاستقلال والتحرير، خمسون عاماً للأولى، وعشرون عاماً للثانية، فماذا حدث بين كل هذه السنوات، وماذا تعلمنا من الدروس؟!
قد لا نستطيع سرد كل الدروس التي تعلمناها، ولكن من المؤكد أن أولها وأهمها ما عكسه الحراك السياسي الأخير من نضج للتجربة الديمقراطية، وخروجها بشكل مطمئن من إطار الانتماءات الطائفية والقبلية، اللتين كانتا تشكلان أهم المعوقات نحو تنقيح التجربة وقطف ثمارها.
لقد تعلمنا في كل تلك السنوات أن استمرارية الممارسة هي أساس انفتاح التجربة الديمقراطية، وأن التحول نحو مجتمع ديمقراطي حقيقي فيصله الدستور والقوانين، لا يكون إلا بتراكم التجربة من خلال استمرارها بحلوها ومرها.
لقد علمتنا السنوات الخمسون أن التغيير لا يمكن أن يتحقق من دون قدر من الألم، وأن الكويت وعبر مشوارها الديمقراطي منذ عشرينيات القرن الماضي قد تحملت آلاماً كثيرة ولم تخلُ تلك الآلام من الدماء والعنف أحياناً! لكنها سُنة التغيير والتحول نشهدها في التاريخ البشري من حولنا.
لقد تعلمنا أن الألم يفرز الراحة، وأن القبح يولد الجمال، هذا هو قانون الطبيعة. فاليرقة القبيحة تفرز فراشة جميلة، وآلام المخاض تولد كياناً ومولوداً صحيحاً، وهكذا هي الحال مع المجتمعات، آلامها ودماؤها تتحول بفعل حتمية التغيير إلى تقدم وتطور في الاتجاه الصحيح.
لقد تعلمنا أن الحقوق لا توهب، وإنما تغتصب، ومن أراد الحريات، فليطرق أبوابها بأيادٍ مخضبة بالدماء.
هكذا تحدثت أدبياتنا، التي تعكس واقعاً بشرياً مرت به كل الشعوب.
وهكذا حقق الشعب الكويتي إرادته وأمن حقوقه وحرياته.
لقد تعلمنا أن الفساد هو آفة المجتمعات، وأن المفسدين هم المخربون الحقيقيون. فكانت حربنا جميعاً كمواطنين ضد آلة الفساد ورموزها، وهي الحرب التي اشتعلت منذ التحرير ومن دون هوادة، بعد أن أدركنا جميعاً خطر الفساد، ليس على أموالنا وثرواتنا وحسب، وإنما كذلك على قيمنا ومبادئنا التي ننشئ أبناءنا عليها. ولا تزال هذه الحرب مشتعلة، خصوصاً في ظل نمو آلة الفساد وتحولها إلى مؤسسة متكاملة!
وإذا كان الفساد هو آفة المجتمعات فقد علمتنا السنوات الخمسون أن القانون هو سيدها، ومن دون قانون تكون الدولة أقرب إلى الغابة، وكانت بداية العودة إلى هيبة القانون مع لجنة إزالة التعديات على أراضي الدولة.
تعلمنا كثيراً على مدى خمسين عاماً لكننا لا نزال في أول فصول الكتاب. فأمامنا فصول كثيرة، بعضها أكثر تحدياً من كل ما تعلمناه، ويكفي أننا قد بدأنا.
فمبارك للكويت الخمسون وردة من تاريخها.
