الأرشيف

خلط الألوان ذوق رفيع.. حتى في السياسة

[جريدة الطليعة 27/4 - 3/5/1994]

لا نحيد عن الصواب إذا ما قلنا إن من حقنا كأفراد أن نطلق العنان لمشاعرنا عند التعبير عن مقدار الحقد الذي يتملكنا تجاه العراق. فالذي حدث لم يكن إساءة ولا غدراً.. بقدر ما كان طعنة ما زالت دماؤها عالقة في جوانحنا.. رطبة ودافئة. حالة الرفض التي تعتري المواطن تجاه كل ما يمت بصلة إلى العراق وأهله.. والتي لم يسلم منها حتى الغناء والفن العراقي.. حالة الرفض هذه.. طبيعية ومفهومة.. لدى علماء النفس تفسيرهم الخاص والمنطقي حيالها.. فالمشاعر هي العنصر الغالب في العلاقات على المستوى الفردي. لكن مثل هذا الحق.. لا تملكه التيارات المسؤولة في الدولة.. أياً كان مركزها.. ومكانتها.. وأياً كان ترتيبها ودرجتها من حيث المساهمة في القرار السياسي للوطن.. وحيث يعتبر أي تصريح لأي مسؤول أكان شأنه في الدولة صغيراً أم كبيراً.. تصريحاً يحمل ما يحمل من صفة الرسمية.. التي تتحمل الدولة بأكملها تبعاتها.
ولمطابقة ذلك على الحالة العراقية.. نقول إن الموقف الرسمي الذي أعلن مراراً أن عداءه للنظام العراقي كنظام سياسي أضر بكيان الوطن وسلامته وحقه في الحرية.. وليس للعراق كدولة عربية وإسلامية وجارة!! هو الموقف السياسي المتوقع.. والذي يتجاوز العاطفة والمشاعر في إعلان علاقاته الخارجية لكن الإعلان الرسمي وحده لا يكفي.. ما لم يكن هناك توحيد وتنسيق لذلك الموقف الرسمي.. بحيث تنسجم مواقف الوطن الرسمية الأخرى.
تصريح رئيس المجلس البلدي الأخير.. في محاولته لتوضيح الملابسات التي نُسبت إليه حول عضوية مدينتي “مكة” و”المدينة” هو ولا شك تصريح لمسؤول في موقع رسمي حيث صرح أنه طلب تعديل لائحة منظمة المدن لتفادي الثغرات القانونية ولقطع الطريق على العراق.
لم يوضح رئيس المجلس ما إذا كان يقصد بالعراق هنا نظام بغداد.. أم العراق كدولة!! وإن كان في ذلك قد انسجم مع تصريحات لمسؤولين آخرين.. لهم مواقفهم البارزة في المجتمع السياسي الرسمي.
إن ذلك ليس دفاعاً عن نظام بغداد.. بل ولا عن العراق بأكمله كدولة.. ولا كشعب.. وإنما هي محاولة للتذكير بواقعنا الجغرافي والسياسي الحرج.. ووجوب القبول والتعامل مع ذلك الواقع.. شأننا في ذلك شأن كل الكيانات الصغيرة في العالم.. والتي تعيش وتستمر بما تخلقه من توازنات دقيقة.. تكتب لها الدوام والاستمرار. خاصة إذا ما نحن أدركنا أن مأساتنا قد بدأت يوم بدأنا في التلاعب بتلك التوازنات التي طالما كانت حجر أساس في بقائنا داخل مثلث الصراع في المنطقة. ونعني بذلك.. صراحتنا في معاداة إيران إبان الحرب العراقية الإيرانية.. واندفاعنا بكل تحيز نحو العراق.. وإخلالنا بذلك بجوهر بقائنا واستقرارنا الذي رسخناه من خلال الموازنات الدقيقة التي طالما حرصنا عليها.. وأعلناها منذ بداية صراع القوى في المنطقة ممثلاً بصراع الدولة العثمانية.. والقوى البريطانية في القرن الماضي.
يعلم المواطن جيداً.. أن التحيز للعراق في صراعه وحربه مع إيران.. قد فرضته ظروف كثيرة أقلها كون أحد أطراف الصراع عربياً في مواجهة طرف غير عربي.. مما يفرض منطقية التحيز لكن هناك فارقاً كبيراً بين التأييد.. وتحديد الموقف.. وبين الاندفاع الحاد في التأكيد.. والذي اتسم به الموقف الرسمي.. والشعبي كذلك.. بتوجيه مدروس من الإعلام والذي خضع لفترات تعتيم طويلة إبان فترة الاقتتال الإيراني – العراقي. وهو ما لم تنتهجه دول الخليج الأخرى.. والتي تماثلنا حجماً.. وثقلاً في المنطقة.. وبحيث استطاعت تلك الدول الخليجية أن تعلن عن موقفها التأييدي للعراق.. مع إبقاء الطريق سالكة مع إيران.. ودون أن تنتابها حالة الانفعال الحاد في مؤازرتها للعراق في حربه.
نعلم أن حالة الحساسية والقلق من العراق ليست وليدة غزو الثاني من أغسطس.. بل ولم تتبدل تلك الحالة حتى في قمة تأييد الوطن للعراق في حربه مع إيران.. بل ولم يخف الكثير منا خوفه – والذي له ما يبرره ولا شك – حين وضعت الحرب العراقية الإيرانية أوزارها. فانشغال العراق في حرب طويلة.. كان يعني بكل تأكيد تقليصها للمشاكل الحدودية وغيرها مع دول الجوار وخاصة الوطن.. والتي كانت غالباً ما تثار.. وكان أن تحققت تلك المخاوف في خلال عامين من انتهاء الحرب العراقية الإيرانية..
الآن.. ونحن نخرج من فوهة المعاناة التي تكبدها الوطن من جراء حسابات وتوقعات عجزت عن أن تتحقق في عالم السياسة والمصالح.. وبحيث جاء اندفاعنا في تأييد العراق.. وبالاً علينا جميعاً.
الآن ونحن نقبل على مرحلة تتشكل فيها ملامح جغرافية وسياسية تسود المنطقة لمراحل مستقلة طويلة.. تتنازعها صراعات عرقية وطائفية.. وتتكون الأحداث فيها بعدد ألوان قوس قزح.
في ظل هكذا ظروف.. لا نريد أن نتلون بلون قاتم معتم.. فسيطرة اللون الواحد هي من ملامح الذوق.. الهابط.. بينما يأتي خلط الألوان.. ليتربع على قمة الذوق الرفيع!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى