الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

خطيئة المثقفين العرب

خطيئة المثقفين العرب

لم ترعبني ولم تخفني البذاءات والتهم التي كان يكيلها إعلام النظام العراقي إبان فترة الاحتلال.. بقدر ما أفزعتني حقاً تصريحات لكتاب ومثقفين عرب ارتفعت أصواتهم مهللة لفارس العرب!!… أما الذين لم يصرحوا ولم يقولوا الشعر في القائد المظفر فقد لزموا الصمت.. فأصبحوا صورة ناطقة للمثقف العربي العاجز.
وقد كان من بين أولئك المثقفين الذين ارتفعت أصواتهم بالسخرية.. أو باللامبالاة ودماء أخوتهم في الكويت مازالت دافئة تلطخ كل شوارع الوطن.. وتتضرع ضمير الأمة.. كان من بين أولئك مناضلون أدموا القلوب وفجروا الدمع بالعيون وهم ينادون بدحض الظلم الذي يتعرض له العرب في مراحل كثيرة من تاريخ هذه الأمة.. وكان من بينهم الكثير ممن طلق الحياة.. وآثر الزواج بقضايا العرب العادلة أينما كانت.. بل وتعدى الكثير منهم التصدي للظلم الواقع على إخوتهم العرب ليشمل كل الظلم الواقع على الإنسان في أي مكان من هذا العالم.. فأنشدوا لنيكاراغوا.. وعبروا البحار دفاعاً وتضامناً مع القضايا العادلة في تشيلي وفيتنام وغيرها من الدول والشعوب التي اعتصرتها يد الظلم.. وحين وقع الظلم على الجار والأخ اختفى كل أولئك.. وآثروا الصمت.. أما شجعانهم فقد صفقوا للزعيم الأوحد!! وباركوا خطواته الميمونة!
إن المثقفين يمثلون جزءاً عضوياً وهاماً في أي مجتمع.. وغالباً ما يكون إحساسهم عميقاً ومعبقاً بروح الوطنية… وهم بذلك يمثلون إنجازاً ضخماً بمجتمعهم لهم تأثيرهم الخاص في القرارات السياسية الكبرى.. فثقافة أي مجتمع تبنيها وتضع ركائزها تلك الشريحة من الكتاب، والمؤلفين الموسيقيين، والمؤلفين المسرحيين، والشعراء، والصحافيين.. كل أولئك هم المرآة التي تعكس ثقافة المجتمع.. وهم أيضاً المرآة التي تعكس كل القوانين والأسس التي تحكم تطور المجتمع واحتياجاته الحيوية، ووظيفة أولئك جميعاً أن يسجلوا التاريخ بأسلوبهم.. وألا يكونوا شهود زور على عصرهم.. فالكتابة والشعر والصحافة والمسرح جميعها فنون صدق بالدرجة الأولى.. وإلا كانت تزويراً وتشويها للتاريخ.
أين أولئك جميعاً حين اُغتصبت الكويت وأريق دمها؟ أم أن القضايا لا تكون عادلة إلا إذا كان ثمنها مدفوعاً بالعملة الصعبة لا بالدم!!
إن المدن إذا نهبت وأتلفت يعاد بناؤها.. والبحار إذا لوثت يعاد تكريرها.. ولكن الكلمة إذا دُنست فإن التكنولوجيا بكل تطورها لن تستطيع تنقيتها من الشوائب التي علقت بها.
وشريحة كبيرة من المثقفين العرب، علقت بهم الكثير من تلك الشوائب التي سيكون من الصعب بمكان إزالتها.. حين أصبحت الكويت بدمائها وعرضها المستباح قضية يجب إعادة النظر والتروي قبل القول بمدى صحة عدالتها.
لا نقول أن المثقفين العرب من واجبهم الانصياع وهم مغمضوا العيون لأن قضية يراق فيها دم عربي كان أم لا… إلا أن أسوأ ما يمكن أن يحدث أن يسمح المثقفون لأنفسهم، وفي هذه المرحلة الحرجة من مراحل التاريخ العربي، بأن يغرقوا في التوافه والتأييد الأعمى بغرض الانتقام، أو بدعوى تسوية حسابات قديمة.. أو أن يستغلوا تلك الكارثة لتحقيق مطامح شخصية بغرض التميز. والرهان على ما يخبئه الغيب… فيستنفذوا طاقاتهم في الكلمات الرنانة عديمة المعنى… فاقدة الصدق بدلاً من المسعى الخلاق.. والذي يفترض أن يكون أساساً لمسار أي مثقف أو كاتب أو شاعر.
الذي حدث للكويت… لم يكن حدثاً عارضاً خصَّ الإنسان الكويتي وحده.. فالحدث كان كبيراً.. إلا أن المثقفين لم يرقوا للأسف إلى مستوى الحدث.. ولا نقصد بالرُقي هنا التأييد الشامل للقضية الكويتية.. فالمثقف هو الذي يواجه الحدث بالدراسة والبحث عن الأسباب قبل الوصول إلى قراء التأييد أو اللاتأييد.. وبالطرح الموضوعي للحدث بغية الحفظ في سجل التاريخ… لا أن يكون تفاعله ضجيجاً مفتعلاً مصحوباً بكتابات هزيلة تساهم في ازدياد تشرذمنا الفكري والثقافي.
طوال فترة الاحتلال وما زال إلى الآن الكثير من المثقفين يحللون الموقف بنظرة الخمسينيات.. أي تبني النظرة القائمة آنذاك بالانضمام إلى معسكر المناضلين الثوريين.. مقابل البرجوازيين الرجعيين من دول الخليج… وكأنما الدماء التي سالت.. والأموال التي أهدرت.. إنما هي ضريبة نمو الحرية لكافة أرجاء الوطن العربي.. ولا يهم كثيراً من أي جهة من أرجاء الوطن هي أريقت.. وكأنما الدماء التي سالت دوماً في هذا الوطن العربي الكبير لم تكفِ بعد لشق الطريق نحو الحرية.. والتي يبدو أنها تزداد ابتعاداً… مع تهافت الأيدي المضرجة بالدماء تدق بابها!!
إن الانفجارات العاطفية أمر محتوم من أي مسعى معقد أو قضية معقدة.. فكلاهما.. المعتدي… والمعتدى عليه دول عربية شقيقة… خاصة وأن ضجيج الإعلام العراقي جعل رجل الشارع في أقطار عربية كثيرة يكون كالملجوم في انتظار أن ينطلق المثقفون بكلمة الحُكم!! منهم ومما لا شك فيه أكثر اطلاعاً منه على حقيقة الموقف!!! إلا أن وجهة نظر المثقفين التي تضاربت لم تمحو شيئاً من الحقيقة.. فالجدل الذي كان قائماً آنذاك هو مدى أحقية دول الخليج في استدعاء الأجنبي!! أما حقيقة الانتهاك وحق الدماء.. فقد وارتها جهود الكثير من مثقفي هذا الوطن!!!
إن المسؤولية وهي حقاً جسيمة.. إنما هي القسَّم المقدس الذي لا بد وأن يؤمن به كل صاحب كلمة مقروءة أو مسموعة.. تلك المسؤولية تتطلب إخضاع وجهة النظر للتفسير المنطقي والحوار الحضاري… حتى لا يكون المثقف فيلسوف نفسه.. والسلطة الأولى على نفسه. وكي لا يجزم بأنه وحده على حق.. فحتى أكثر وجهات النظر تطرفاً قد تحوي شيئاً قيماً وعقلياً إذا ما طرحت بأسلوب عقلاني… فالمثقف الذي يدافع عن وجهة نظره بإخلاص واقتناع.. ويتعرض للقضية بأسلوبه وطريقته الخاصة به… إنما يعكس بعض الجوانب الواقعية والتي قد يكون لها من الإيجابية الكثير في تحليل الموقف… وهو بهذه الحال لا يمثل صراعاً عدائياً… وإنما اقتناعاً شخصياً مدججاً بالحجة والبرهان.
أما تلك الفئة من المثقفين التي اختارت من باب الدفاع عن النفس، والدفاع عن الامتيازات والمصالح.. مواصلة الضجيج والهتاف لأولئك الذين صاروا بين غمضة عين وانتباهتها مناضلين وأصحاب حق، وحاشدين الجيوش جهاداً لاستعادة القدس.. فعليهم جميعاً يقع عبء الانحطاط الثقافي، والتفكك العربي… وهم وحدهم يتحملون وزر الخطيئة في ما أصابنا بأمتنا.. وبمبادئنا. وإن كان لتلك المرحلة من إيجابية فهي في سقوط الكثير من الأقنعة… وفي تحديد هويات ومواقف لكثير من المثقفين أمثال شاعر بلقيس الشهيدة.. صاحب “القلب الذي يضرب داخل أسوار الزمن العربي… ويصرخ في وجهه الزمن العربي… وينقل كل اهتزازات الغضب العربي”…ويصمت أمام إراقة دم الأخ العربي في الكويت!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى