
رفض رئيس مجلس الأمة أسلوب التصعيد في التعامل مع أزمة التعاون الراهنة بين مجلس الأمة وبين الحكومة!! لأن عدم التعاون من وجهة نظر رئيس المجلس هو أمر ليس في صالح الكويت ولا أهلها!! إذ قال إنه لا يعتقد “أن الأمور تحتاج إلى أن تصل لمثل هذا الأمر، مشدداً على ضرورة ألا تعالج خطأ بخطأ، أما على الصعيد البرلماني فقد أبدى رئيس المجلس رفضه لاستخدام مصطلح التهدئة وإسقاطه على الممارسات النيابية كوصف يتصف به مجلس الأمة أو جزء من فعالياته مشيراً إلى أن التهدئة ليست غاية بحد ذاتها وإنما هي أسلوب للتعامل مع الظروف والأهداف السياسية التي تؤثر بشكل أو بآخر في مصلحة الكويت!! التلويح الذي ثار مؤخراً حول استخدام المادة (102) لاقى تحليلات مختلفة، أحدها يتحدث عن احتمال صفقة مقبلة بين الإسلاميين والحكومة تدشن عهداً جديداً من التحالفات بين الطرفين!! وهو ما أثار غضب واستياء الليبراليين المؤيدين لاستخدام المادة (102) الذين أصبحوا يشمون رائحة توزير إسلامي قريب لوزارات حساسة!!
ولكن ما هي المادة (102)؟ ولماذا أثارت كل هذا الرعب والانزعاج لدى البعض على الرغم من أنها تأتي من قلب الدستور الذي ارتضته الأطراف جميعها كقانون وتشريع ينظم علاقاتها ببعضها بعضاً وبالآخرين في الوقت ذاته؟
يقول نص المادة (102) ما يلي: “إذا رأى مجلس الأمة عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء رفع الأمر إلى رئيس الدولة. وللأمير في هذه الحالة أن يعفي رئيس مجلس الوزراء ويعين وزارة جديدة، أو أن يحل مجلس الأمة. وفي حالة الحل إذا قرر المجلس الجديد بذات الأغلبية عدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء المذكور اعتبر معتزلاً منصبه من تاريخ قرار المجلس في هذا الشأن وتشكل وزارة جديدة”.
وبحسب نص المادة، فإننا لا نرى في استخدامها أي مؤشرات خطر أو تهديد لأمن الكويت أو لاستقرارها أو لأمان أهلها!!
وإذا كان استخدامها يشير إلى خطر أو تهديد!! فلماذا جاءت أصلاً في الدستور، ولماذا لم يثرها من قبل المدافعون “زوراً” عن الديمقراطية الذين لم يتوقفوا أبداً عن التذكير والتوصية بضرورة تعديل المادة الثانية من الدستور؟!… المادة (102) لا تحوي خطراً، وإنما هي تشير إلى خطأ في المسار السياسي يستدعي التقويم.. لذا فإنها توفر مخرجاً لذلك الخطأ الذي سيتفاقم حجمه وأثره إذا ما بقي عنواناً في مسارنا السياسي، نشير إليه في كل اجتماع وكل لقاء يجمع المجلس بالحكومة!!
رفض استخدام المادة (102) من قبل بعض الأطراف في هذا الوطن يؤكد على طبيعة حرجنا وخجلنا من المصارحة والمكاشفة السياسية، لأننا غالباً ما نخلط العاطفة بالعملية والمنطق الذي يشترطه العمل السياسي. ونرى في أي مظهر من مظاهر الاختلاف السياسي خروجاً عن التقاليد وتحطيماً لقيم الأسرة الواحدة المتكاتفة!!! كما أن إبقاء الوضع القائم والحفاظ عليه مع كل ما يعنيه ذلك من جمود، سيحمينا من نقد الآخرين -وخاصة في الخليج- لديمقراطيتنا ولأدائنا تحت القبة البرلمانية!!
لقد أدت ثقافة الاتفاق هذه إلى تراجع في أولوياتنا وجمود في أدائنا طال قضايا حساسة يضاعف من حجمها وأثرها تعاقب الزمن وإن كان وجيزاً!!
أما المشكلة الأكبر في استمرار التعاون الشكلي قائماً فتكمن في ما يشكله مثل هذا الوضع من فرص لبعض الذين يساومون ويراوغون من خلاله، من الذين لا يطرحون شباكهم إلا في المياه العكرة الآسنة!!
نحن بكل تأكيد لا نريد أن نخبئ رؤوسنا في الرمال مهما بلغ دفئها ونعومتها، ولا أن نختبئ من مشاكلنا وتحدياتنا بالانصياع للاسترخاء وللكسل اللذيذ الممتع!! ولا أن نمارس العاطفة والأخوة، ونحن نرغي ونزبد في أعماقنا!! فالذي نحن بصدده وطن يضم أرضاً تنتظر يداً قوية وعزماً، وشعباً يتلهف إلى مستقبل آمن وأمان له ولأجياله المقبلة من بعده!! فالماثل أمام الحكومة والمجلس الآن ليس صفقة تجارية، ولا اتفاقاً سياسياً وإنما مستقبل وطن وشعب سأم ذلك التأجيل الممل لقضاياه وشؤونه بما فيه الكفاية. قطعاً سيخسر الجميع في معركة الألقاب والنفوذ الدائرة رحاها بين المجلس والحكومة.
أما الربح الذي يتوهمه البعض من توزير أو تدوير فهو ربح زائف وقصير يكفيه عاراً أن يكون قربانه مستقبل الوطن!!
ويكفيه خجلاً أن يكون ملاذه في التضليل دستور الوطن!! وأن يكون عنوان خطيئته – وليس خطأه – المادة (102) من ذلك الدستور!!
