الأرشيف

خطة تعليمية هي العلاج

[جريدة القبس 14/10/1992]

بالرغم من كل ما قيل عن عام الدمج.. وآثاره المستقبلية السلبية وعلى الرغم من كل الأصوات التي ارتفعت مهددة ومحذرة من عواقب العبث والارتجال فيما يخلص المسألة التعليمية والتربوية إلا أن حصاد عام الدمج جاء بنتائج أسوأ من كل تصورات المحذرين والمنذرين وكان تطبيقه عاملاً أساسياً في المستوى المتدني لأداء ومن ثم تقييم الطلبة الذين اجتازوه؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر اضطر مركز اللغات بكلية التجارة في جامعة الكويت.. إلى مضاعفة الفصول الدراسية لاستيعاب الطلبة الذين حققوا مستوى متدنياً في اختبار مستوى اللغة الإنكليزية فمن أصل 856 طالباً وطالبة تم قبولهم في كلية التجارة لهذا الفصل.. ثم إدراج 694 طالباً في مستويات ضعيفة.. و207 منهم في مستويات متوسطة بينما أدرج 18 طالباً فقط في مستويات متقدمة.
كان ذلك على مستوى مركز اللغات.. وفي كلية واحدة من الكليات الجامعية.. أما على مستوى الجامعة ككل.. فقد كان لعام الدمج آثاره المباشرة في عملية القبول العشوائية وغير المدروسة والتي تفوق بكثير الطاقة الاستيعابية للجامعة.
وذلك للأعداد الهائلة التي اجتازت الثانوية العامة.. وكان البعض يهدف إلى تحدي من تصدر وحذر من قرار الدمج ومن كونه قراراً سياسياً بالدرجة الأولى لا علاقة له بالمسألة التعليمية والتربوية، فبالرغم من كل الأضرار التي أصابت الوطن بسبب العدوان المشؤوم، وبالرغم من كل الجهود التي كللت عملية إعادة البناء والإعمار.. وأعادت المباني والمرافق إلى سابق عهدها.. إلا أن ما أصاب المباني من ضرر سيبقى أقل وطاة من الضرر الذي يلحق بالبشر والذي تتصدر جهود بنائه أي مشروع جاد لإعادة بناء الوطن خاصة إذا ما علمنا أن قرار الدمج الارتجالي قد أصاب الشريحة الأكبر من تركيبة المجتمع.. والذين هم في مراحل تعليمية متفرقة.
إن بناء الإنسان المثقف والواعي مسألة أساسية بالدرجة الأولى لنجاح أي عملية بناء للوطن والمجتمع.. وذلك ما تؤكد عليه كل المجتمعات الإنسانية وتحرص على أن ياتي في سلم أولويات خططها المستقبلية ولا أحد يجادل في أهمية الاستثمار البشري كأحد ركائز التطوير والإصلاح خاصة في مجتمعات تعاني من الندرة البشرية كما هو الحال في هذا الوطن وما يتطلبه ذلك من مضاعفة للجهد البشري حتى يتم التغلب على عامل الندرة.
والاستثمار البشري لا يمكن أن يكون واقعاً.. دون برامج تعليمية واضحة.. وخطط تربوية محددة تهدف إلى خلق أفراد قادرين على المساهمة في عمليات التنمية الحقيقية للوطن.
بدون خطة تعليمية واضحة.. لن يكون بإمكاننا وضع تصور مستقبلي لهيكل المجتمع.. ناهيك عن استثمار جهود أفراده، وبدون تعليم متطور ومتماش مع مستجدات عصر الكمبيوتر والذرة لن يكون بإمكاننا خلق المواطن القادر على مواجهة متطلبات العصر الحديث فبدون خطة تعليمية مرسومة ستستمر جامعة الكويت في تلقي المفاجآت المتمثلة بالأعداد الضخمة التي تفوق طاقتها الاستيعابية وبالرغم من أن التغلب على هذه المشكلة ليس مستعصياً ولا مستحيلاً فبعملية حسابية بسيطة يمكن معرفة أعداد الطلبة التي ستكون مؤهلة للالتحاق بالجامعة بعد فترة زمنية محددة.
وأيضاً بدون تعليم حديث ومتطور سيتوالى تدفق الخريجين الكتبة والذين يتفقون وشروط قانون وظائف الدرجة الرابعة والذي يراعي أهمية تشجيعه الكوادر الفنية التي يحتاجها المجتمع فبدون تطوير وسائل التعليم لن نستطيع أن نخلق المواطن القادر على البحث والإبداع والتفكير المستقل للوصول إلى القناعات.
لذلك فإن إصلاح التعليم أولاً سيبقى هو الشق الأهم في أي عملية تنمية وتطوير للوطن فالذين هم الآن في مراحل دراسية مختلفة سيكونون مسؤولين عن عملية التنمية مستقبلاً وما لم يطل الإصلاح أساليب وطرق تعليمهم أولاً سيبقى الخلل عالقاً في دائرة بناء المجتمع. تدهور التعليم ليس قصراً على مناهج الدراسة فحسب وعام الدمج ليس النموذج الوحيد للخلل المسيطر على العلمية التعليمية وإن كان من أكثر القرارات استهزاء وسخرية بأهمية التعليم فتدهور التعليم يكمن كذلك في عجز القيمين على العلمية التربوية… عجزهم عن خلق شخصية متكاملة واثقة محبة للمعرفة ذات انتماء وطني وإنساني وزج الطالب في دائرة ضيقة من قناعات المدرس الذاتية واجتهاداته الفردية.
إن مقياس تقدم أي مجتمع لا يقاس بعدد الجامعات والمعاهد فقط ولا بنسبة حاملي الشهادات العليا فتلك أرقام لا دلالة لها ولا معنى ما لم تأت بخبرات عملية معززة بالأداء الفعلي وما لم تعمل على بناء الفرد القادر على الأداء لا على التذكر والحفظ والذي هو دافع التعليم المسيطر على مؤسساتنا التعليمية.
وعلى من يحاول أن يجادل في ذلك الواقع ما عليه إلا أن يطلع على إحصائيات تقول بعدد الطلبة الهاربين إلى التعليم الخاص أو أن يتجول في أروقة الجامعة ليحاور الطلبة ممن هم على مشارف مواقع العمل والذين هم نتيجة طبيعية ومتوقعة للتخبط والارتجال في سياستنا التعليمية وهم أيضاً إفرازات طبيعية للتشويه الذي صاحب مفهوم بناء الفرد وإعداد الكوادر التي ستساهم في عملية البناء والتطوير وكيف انعكس ذلك كله سلباً بالقفز عن العمل الميداني واليدوي لصالح العمل المكتبي حتى أصبح الوطن كله مكتباً كبيراً تديره نخبة من المدراء يصحبهم مساعدوهم؟!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى