خطاب للمواطن

خطاب للمواطن
اعتاد المواطن العربي في كل مكان على البيانات الصادرة عن القمم العربية، والتي غالباً ما تكون إنشائية بلاغية، لا يستطيع المواطن استيعاب مفرداتها ولا مكوناتها.
القمة الأخيرة، ووفقاً لكلمة ممثل أمير الكويت – حفظه الله – تطمح إلى ترسيخ الشراكة الاستراتيجية مع دول آسيوية لحفظ الأمن، وللتطلّع إلى مزيد من التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية وخدمة المصالح المشتركة واستمرار التنسيق المشترك، حيث ركز الخطاب على ضرورة مواجهة التحديات المحيطة بمنطقتنا من خلال التعاون مع دول آسيا الوسطى، باعتبارها شريكاً أساسياً في تعزيز الأمن والاستقرار للمنطقة، وتقدُّم دولها ورفاهية شعوبها.
صحيح أن التنسيق الإقليمي والدولي، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي، يعتبر ضرورة من حيث إن الأمن والاستقرار هما دائماً رهن استقرار وأمن الآخرين، فالفوضى والحروب ومهددات الأمن لا تعترف بالحدود، وإن لم تتسرب في هيئاتها المعتادة، فإنها تبقى مصدراً للإزعاج والقلق والتهديد.
لكن ما يغيب عادة عن القمم العربية أو الخليجية، واليوم أصبحت تشترك معها في ذلك القمم في دول العالم (المتقدّم)، هو مقومات وشروط الأمن المرتبطة بحقوق المواطن وحرياته ومقدراته ومطالبه وظروفه المعيشية وتطلعاته المستقبلية، هذه كلها لم تعد ضمن أجندات ولا بيانات القمم، بدءاً بقمة السبع الكبار من الدول (المتقدمة)، وانتهاءً بالقمم العربية. ولعلنا شاهدنا كيف تعامل البوليس الفرنسي مع المتظاهرين أخيراً، ومن قبله أسلوب قمع التظاهرات في بريطانيا. وكذلك في سلوك قوات الأمن والشرطة في الولايات المتحدة.
مقومات الأمن الداخلي تختلف عن مقومات الأمن الخارجي، الذي قد يسهل التعامل معه وفقاً لاتفاقيات عسكرية وأمنية وغيرها. لكن للأمن الداخلي شروطاً مختلفة تتطلب حنكة وحكمة أكبر وأبعد في أهدافها.
الاستقرار والأمن الداخلي قائمان على أسس، أبرزها تحديد الهوية الوطنية وربطها بقضية الانتماء، التي بدورها مرتبطة بمكتسبات كالحقوق والحريات والواجبات، ففي ظل الانفتاح الذي يشهده العالم، ولا نستثني من ذلك دول الخليج، أصبح من الضروري إعادة بناء مقومات وأسس الأمن والاستقرار الداخلي، فالحدود التقليدية أصبحت من الماضي، وسهولة التنقّل اليوم، سواء الشرعية منها أو غير الشرعية، جعلت الدول كلها حاضنة لمكوّنات طائفية وإثنية متنوعة ومختلفة، مما شكّل تهديداً للأوضاع السياسية والاقتصادية القائمة، ولم تسلم من ذلك حتى دول في قائمة “المتقدمة”، كفرنسا وألمانيا وبريطانيا، التي اخترقت جميعها تقاليدها الأمنية المتسامحة، وذلك في مواجهة المتظاهرين المطالبين بحقوق اكتسبوها وفقاً لمعايير الهوية الوطنية المُكتَسَبة.
على الرغم من مرور أكثر من عقد على الربيع العربي، فإن العالم العربي، بشعوبه وأنظمته، لا يزال واقعاً تحت تأثير تداعياته. فبالرغم من إخفاقه كحراك في إحداث تغيير جوهري في البنية السياسية العربية على مستوى الأنظمة والمؤسسات، فإنه ترك أثراً واضحاً في مفهوم الاستقرار والأمن الداخليين، ودفع بمطالب كالحريات والحقوق والديمقراطية بشكل عام لتكون في صدارة المطالب السياسية الهادفة إلى تحقيق الاستقرار الداخلي والأمن الوطني الحقيقي، والذي لا يزال كمفهوم غائباً عن العقلية العربية، وبشكل تحوّل معه مفهوم الأمن الوطني من مفهوم شامل، يضم في إطاره العدالة والقضاء والحريات والمؤسسات التشريعية والرقابية، وأنشطة المجتمع المدني، والنزاهة ومحاربة الفساد وتعزيز قيم العمل والتعليم، وتطبيق القوانين، وغيرها من مقومات تضمن أمناً وطنياً حقيقياً، يشكّل الحاضنة الفاعلة للاستقرار والتنمية والمستقبل، وأصبح كمفهوم قاصراً على القوة العسكرية والأمنية وعقد التحالفات لضمان الاستقرار، ولكن خارج أسوار الدولة والمجتمع.
التعاون والتكامل الإقليمي والدولي يأتي ليشكّل جزءاً من الاستقرار والأمن الوطني المطلوبين، لكن الجزء الأكبر من الاستقرار الفعلي لا يحققه إلا أمن داخلي أولاً، يراعي معايير العدالة والحقوق الفردية بكل أشكالها، وهو بكل أسف الجزء الذي لا يحظى بالاهتمام المطلوب. لذلك، تَعبُر القمم العربية والخليجية كمحطات هامشية في وعي الفرد، وتصبح مادة لمانشيتات وافتتاحيات صحافية لا أكثر، فهي لا تخاطب المواطن مباشرة، وبالتالي لا تشكّل جزءاً من وعيه السياسي ولا خطابه.
