ملفات ساخنة

خصوصية الطيف العراقي

خصوصية الطيف العراقي

هل يتحول العراق إلى دولة دينية؟
سؤال يؤرق الكثيرين، سواء في العالم الغربي أو العربي! فبالنسبة للعرب وخاصة دول الخليج إن قيام دولة إسلامية في العراق سيعني امتداداً شيعياً لإيران، وهو الامتداد الذي كثيراً ما شكل هاجساً أمنياً بالنسبة لدول الخليج ذات الأغلبية السنية، أما بالنسبة للغرب فإن قيام دولة دينية – وهي حتماً شيعية ـ في هذه الحال فإنه سيشكل خطراً على تواجدها في المنطقة مستقبلاً، خاصة في ظل العداء الإسلامي للغرب، الذي أصبح يفرز إرهاباً وعنفاً داخل وخارج حدود الغرب الجغرافية والسياسية!
السؤال عن احتمالات تحول العراق إلى دولة إسلامية، يجيب عنه التاريخ، حيث تعود بداية الحركة الإسلامية في العراق مع انطلاقة ثورة النجف يوم 15/12/1914، حين خرجت ثلة من علماء وطلبة الحوزة العلمية مقاومة الغزو الاستعماري البريطاني المسلح لبلاد الرافدين، وقد كان يومها لفتوى المرجع الأعلى في النجف الإمام الشيرازي صدى قوي أجج مشاعر المقاومة لدى كل الوطنيين، إسلاميين كانوا أو شيوعيين أو غيرهم، فقد نصت الفتوى مطالبة بحقوق واجبة على العراقيين على ما يأتي: “يجب عليهم في ضمن مطالباتهم رعاية السلام والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطالبهم”، إلا أن ذلك النشاط الذي بدأ، سرعان ما شهد تقهقراً إثر التعهد الذي أخذه الملك فيصل الأول على علماء الدين بعدم التدخل في الشأن السياسي،
يرى محمد عبدالجبار، وهو كاتب وباحث عراقي مقيم في لندن، أن المشروع السياسي الإسلامي في العراق قد مر، منذ مطلع هذا القرن، بثلاث مراحل: المرحلة الثورية التحررية التي تركزت على التصدي للاحتلال البريطاني ومقاومة قواته الغازية وبناء الدولة العراقية الحديثة، أما المرحلة الثانية فهي المرحلة الإصلاحية التي تركزت على محاولة إصلاح الدولة من الداخل بعد أن نجحت القوى المعادية للتيار الإسلامي بإبعاده عن المسرح السياسي، وأقامت دولتها المتحالفة مع بريطانيا والتي لم تكن تحقق طموحات التيار الإسلامي، أما الثالثة فهي المرحلة التغييرية الانقلابية والتي تركزت على العمل على استعادة الدولة وإقامتها على أسس إسلامية جديدة تحت شعار “الدولة الإسلامية”.
إذاً تزدحم الكتب والإصدارات بتفاصيل كثيرة حول احتمالات تحول العراق إلى دولة إسلامية! والإشكال هنا ليس في قيام دولة إسلامية أو لا في العراق، ولا في تأثيرات تلك الدولة على محيطها الإقليمي أو على علاقاتها مع الغرب، وإنما هو في كيفية أقلمة الظروف الحالية مع مشروع الدولة الإسلامية العراقية، فالعراق الآن أصبح مدينا للغرب بتخليصه من جمهورية الرعب الصدامية، وهو أمر مكن القوى الدينية من العودة إلى العراق بعد هجرة وشتات داما أكثر من ثلاثة عقود! والدور الغربي في العراق سيحمل بالتأكيد اتفاقيات ومعاهدات بعضها سياسي وبعضها عسكري مع دول يرفضها التيار الإسلامي بشكل عام كإنكلترا والولايات المتحدة الأمريكية.
أما ما يتعلق بالظروف الإقليمية، فإن قيام دولة إسلامية في العراق قد يعني تكرار التجربة الإيرانية التي أربكت المنطقة سياسياً وعسكرياً من خلال مشاريعها الرامية إلى تصدير الثورة وما أعقبها من حالة جفاء ورفض من دول المنطقة أدى إلى حرب عبثية كان هدفها إشغال إيران الإسلامية عن تصدير ثورتها، والعراق حتماً لا يريد أن تكون عودته إلى حظيرته الإقليمية مشوبة بشكوك ومخاوف من شأنها أن تعيق أي محاولة لبناء علاقات سياسية أو تجارية سيكون العراق في أمس الحاجة إليها لبناء ما هدمته آلة البعث.
وتبقى الإشكالية الأكثر خطورة وحرجاً والتي تتلخص في خصوصية المجتمع العراقي، المتنوع عرقياً ومذهبياً وطائفياً! تلك الخصوصية التي قد تكون سبباً لخراب ودمار أي مشروع سياسي مستقبلي إذا ما استخدمت لخلق صدامات وعداوات! بينما بإمكان مثل هذه الخصوصية أن تتحول إلى طاقة للبناء، ونقطة بداية لخلق مجتمع سياسي موزاييكي الطابع وديمقراطي النكهة!
إن أمام العراقيين الآن مهمة أولى ورئيسة تتلخص في ضرورة احتواء ألوان الطيف العراقية في شعاع واحد يلتزم التزاماً صلباً بالنهج الديمقراطي! ولا نتصور أن مشروع دولة إسلامية سيحقق ذلك بصورة سلمية وخالية من العنف الذي استنزف من الروح والطاقة العراقية الشيء الكثير، فهل آن الأوان لأن يبدأ المشروع العراقي لتشكيل المستقبل وفقاً لتلك الخصوصية العراقية؟

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى