
تتوالى فصول العام ويبقى للخريف منزلته الأعلى روحانياً وجمالياً وفي كل شيء، وكما قال أحدهم: “سيمفونية اللون الخريفي هي كنز يخرج من قلب الأسطورة، لتتراقص على نغماتها أوراق الشجر في رحلتها إلى عالم جديد” انتهى.
وبالفعل فقد تناولت الأساطير ومن كل الثقافات حكاية الخريف، أشهرها الأسطورة الإغريقيّة التي تتحدّث عن برسيفيني الجميلة التي هام بها الإله هاديس واختطفها، ثم حملها معه إلى العالم السفلي وتزوجها وجعلها ملكة ذلك العالم، لكن ديمتر، أم برسيفيني حزنت لذلك، وحداداً على ابنتها حرمت ديمتر الأرض من النبات، فتحولت الأراضي الخضراء التي زرعها فصل الصيف إلى قفار وأرض جرداء إلا من الورق الذهبي الجميل، ولإرضاء ديمتر اتفق زيوس كبير الآلهة مع هاديس على أن تقضي برسيفيني نصف العام مع والدتها في العالم العلوي، والنصف الآخر في مملكته في العالم السفلي، ليحل بذلك الخريف مع نزول برسيفيني إلى العالم السفلي، ثم ليعود الربيع مع عودتها إلى العالم العلوي ولتعيش مع والدتها ديمتر فصل الربيع.
أما حضارة المايا في المكسيك فتحتفل بحلول الخريف برقصة الثعبان المُجنّح حيث تُعلن احتفال حلول الخريف بنزول الثعبان من السماء، لذلك فقد تم تصميم المعابد فيها بطريقة تشبه ظل ثعبان متحرّك عند انعكاس أشعة الشمس في وقت الخريف على أدراج المعابد، وبحسب أسطورة المايا، فإن الثعبان المُجنّح يختار زيارة الأرض مرتين في العام، مرة عند اعتدال الربيع ومرة عند الخريف. ويمنح الثعبان الناس على الأرض نعمة الزرع والخصب وذلك قبل أن ينزل إلى المياه المقدسة في طريقه نحو العالم السفلي.
أما في البوذية، فيحتفل اتباعها قبل اعتدال الخريف بثلاثة أيام، وبعده بثلاثة أيام وذلك بزيارة قبور أجدادهم واستذكار الأسلاف الذين رحلوا محتفلين بذكرى عبور النهر الأسطوري الذي يعتقدون بأنه يفصل بين الحياة العليا والحياة السفلى.
كثيرة هي أساطير الخريف، لكن يبقى منها وإلى يومنا الحاضر، عبق الخريف، وألوانه، وجنوحه، ونزقه مُلهِماً للفنانين والمفكرين والروحانيين، فبالنسبة لهؤلاء كما لغيرهم يأتي الخريف حاملاً معه تباشير السكون والهدوء النفسي والانكفاء إلى الداخل، حيث تكمن الحكمة، والتواصل مع العالم السفلي للنفس البشرية حيث يستقر العطاء والخلق والإبداع المُثمر بعد ضجيج النفس في العالم العلوي، أو في فصل الصيف اللاهث وراء كل شيء، ومتجاهلاً كينونة النفس البشرية الخلاّقة الكامنة في خريف الروح والنفس البشرية.
في كل الأساطير التي رمزت للخريف يوجد عالمان، سفلي وعلوي، ومن بينهما تُحاك قصص الحب والعشق والانتقام، فها هو الإله دموزي في الأسطورة السومرية يهيم بالآلهة إنانا والتي عُرِفَت لاحقا بعشتار، ويتنافس في طلب ودها مع الفلاح إنكيمدو، وكيف نزلت إنانا أو عشتار إلى العالم السفلي، وحين فشل دموزي في الحداد عليها، أمرت عشتار الشياطين بسحبه إلى العالم السفلي حيث هي، ثم لتَندَم على ذلك فَتُصدِر أمراً بأن يقضي دموزي نصف العام في العالم السفلي، ونصفه الآخر برفقتها.
ثم يأتي جبران خليل جبران بحكاياته في وصف الخريف، منها وريقة عشب قالت لورقة خريف “إنك تُحدِثين بسقوطك جلبة فَتُبَعثرين أحلامي، فأجابتها ورقة الخريف بغيظ” أيتها الدنيئة، من أين لك الأحلام وأنت مُلتَصِقة بقذارات الغبراء بعيدة عن موسيقى الفضاء لا تُميزين بين الغناء والمواء. قالت ورقة الخريف ذلك وهبطت على الأرض فنامت.
***
خالص العزاء للكويت ولأسرة الصباح بوفاة المغفور له الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح – رحمه الله.
