غير مصنف

خروج الماشيح

27سبتمبر 2025

نشرت جريدة الجريدة ومنذ ما يقارب الأسبوعين، وعلى صفحتها الأخيرة بحثًا مفصلاً، كتبه السيد محمد عثمان العنجري حول المشروع الصهيوني من بازل 1897والى غزة 2025، البحث تناول العقيدة اليهودية وكما وردت في كتبهم الدينية وصلواتهم حول ظهور الماشيح، أو الماسيا MESSIAH، الذي سيُعيد إقامة مملكة إسرائيل، ووجوب الدعاء بتعجيل مجيئه لتحقيق «الخلاص النهائي»، إذ أصبحت مثل هذه العقائد تأخذ اليوم أبعادًا سياسية عند الحركات الماشيحانية المتطرفة، التي ترى في التوسّع الجغرافي في الأراضي الفلسطينية خطوة لتحقيق تلك النبوءات، حيث تؤمن الصهيونية الماشيحانية بأن نهاية الزمان عسكرية راديكالية، كابالية، موجّهة نحو الحرب، وتهدف الى تسريع النهاية من خلال تفسير الأحداث المعاصِرَة كتحقيق للنبوءات، وهم يؤمنون بأن كل النبوءات يجب أن تتحقق بفعل البشر كي يأتي المسيح الداودي.
البحث تفصيلي وتوثيقي ممتاز، ويتطلّب منا جميعًا إدراكه، حتى نفهم ما يحدث في المنطقة منذ مؤتمر بازل وحتى اللحظة، وهو ما يقودنا الى الدعوات المستمرة اليوم لإحياء انجيل سكوفيلد (1906)، والذي يركّز على وعود الله لإسرائيل في العهد القديم، مما أدى الى صعود المسيحية الصهيونية. وبالرغم من أنه ليس إنجيلًا بالمعنى الصحيح للكلمة، فإنه أصبح مُعتَمَدًا لدى تيارات واسعة من الإنجيليين البروتستانت في أمريكا وبريطانيا، وانعكس وبشكل مباشر على اللاهوت الإنجيلي الحديث وعلى المواقف السياسية، خاصة ما يتعلق منها بدعم إسرائيل.
حين كتب صامويل هنتنغتون كتابه الشهير «صراع الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي»، وذلك في عام 1996، واجهته انتقادات حادة، منها أنه قد جعل من الهوية الثقافية العامل الأهم في الصراع، وبكون الكتاب مُفرَط في التبسيط لوصف صراعات عالم أكثر تعقيدًا من مجرد تقسيم حضارات. تلك بعض من آراء النقاد لما ورد في أطروحة هنتنغتون، الذي رأى حينها أن الهوية الثقافية والدينية هي المصدر الأساس للهوية بشكل عام، وأن خطوط التماس والصراعات حضارية بالدرجة الأولى، وأن النزاعات في الشرق الأوسط ستتصدر ذلك كونها تجمع حضارات متجاورة، وأن على الغرب أن يتعايش مع مثل هذا التعدّد الحضاري.
الحرب الدائرة في الشرق الأوسط اليوم، وتصاعد حدّة العنجهية الصهيونية المتمسّكة بتفوقها العقائدي وإرثها الحضاري المزعوم في المنطقة، كلها مؤشرات على أن ما قاله هنتنغتون منذ أكثر من عقدين قد أصاب كبد الحقيقة، لما يتعلّق بطبيعة وهوية الصراع في الشرق الأوسط، فالصراع العربي الإسرائيلي بدأ كصراع سياسي عسكري واستعماري، لكنه شيئًا فشيئًا تحول إلى صراع حضاري ديني بين ثقافتين وحضارتين لم يشهد التاريخ بينهما تآلفًا أبدًا منذ فجر الدعوة الإسلامية والى اليوم، وهو صراع طويل الأمد، قائم على جهاد، ووعود توراتية، وأماكن مقدسة.
أما انعكاسات مثل هذه الرؤية على ما يحدث من مجازر دامية في غزة، فيكمن في «شرعية» المشروع الصهيوني، ليس من قِبَل إسرائيل وحدها، وإنما من قِبَل الغرب كذلك، حيث ترتبط عقيدة الكثير منهم بفكرة أن عودة المسيح مرتبطة بعودة اليهود الى فلسطين وبناء الهيكل، حتى ان بعض الحاخامات، وخاصة بعد السابع من أكتوبر، أصبحوا يرون أن زمن «الماشيح» قد أصبح قريبًا جدًا، وأن الحرب في غزة من علامات ذلك، في محاولة لإضفاء قَداسَة على جرائم إسرائيل في حق الأطفال والشيوخ والمدنيين، ومن خلال ذلك يستمر السياسيون وأباطرة المال والتكنولوجيا والسلاح في استثمار مثل هذا الفكر الغيبي التاريخي لتسهيل مهمتهم، حتى أصبح حرق الأطفال وقتلهم وتشريد الآلاف من منازلهم بعد هدمها في غزة واجبًا مقدسًا، وبمعزل عن أي قيم أخلاقية فطرية بشرية.
الصراع العربي الإسرائيلي أعمق وأكثر تعقيدًا من أن تحسمه معاهدات أو اتفاقيات هدنة أو سلام، هو صراع مرتبط وبشكل مباشر بخروج «الماشيح»، أي بمسألة غيبية بعيدة عن الرؤية البشرية أو السياسة التقليدية.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:محمد عثمان العنجري-المسيح الداودي-التعدد الحضاري-السياسة التقلدية

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى