الأرشيف

“حُرًّا كان.. وسيبقى”

[جريدة القبس 14/12/1998]

يتملكنا جميعاً ونحن نتابع التفاصيل المؤسفة لقضية الناقلات، إحساس قاس ومخيف من تلك الشروخ التي أصابت نفوس البعض وأتلفتها بصورة أصبحنا معها نخشى أن يطال ذلك التلف الشخصية الكويتية، والتي طالما تمتعت بسمعة طيبة كانت محط إعجاب الآخرين، ومبعث فخر لنا بانتمائنا إليها.
وقد تدفعنا أحياناً مثل تلك السلبيات إلى البحث عن نوافذ أمل تعيد إلينا بعض الشيء ثقتنا بأنفسنا، والتي نكاد نفقدها وسط هذا الزخم الهائل والمخيف من الفساد الذي طال الأموال والذمم والصدور.
فيلم المخرج عبدالمحسن حيات يأتي هنا كواحدة من نوافذ الأمل تلك والتي نلجأ إليها في بحثنا عن السكينة والاطمئنان والثقة بمقدرتنا على مواجهة الفساد مهما بلغ سلطانه وجبروته، متكئين على جذور ناصعة عطرة من ماض نظيف مليء بالشهامة والأمانة، وكلنا أمل وثقة بأن لتلك الجذور امتداداً في حاضرنا.
فيلم “حُرًّا كان.. وسيبقى” جاء بتكليف وتمويل من غرفة تجارة وصناعة الكويت، أنتجه وأخرجه ووضع السيناريو فيه المخرج عبدالمحسن حيات، وهو فيلم وثائقي عن التقدم الاقتصادي في دولة الكويت. نسافر خلاله في رحلة تشق أعماق الشخصية الكويتية مؤكدة على دورها في بناء صرحنا الاقتصادي، والذي يأتي كتطور طبيعي لتراكم حضاري في مجتمع مستقل حر في نهجه وتفكيره، وأمين في عمله وأدائه، الفيلم قدم سرداً تاريخياً لنشأة غرفة تجارة وصناعة الكويت، ذاكراً تواريخ هامة، وقرارات تتعلق بتلك البداية، بالإضافة إلى لقاءات ببعض رجالات الاقتصاد. وغير ذلك من الجانب المعرفي والمعلوماتي للفيلم. إلا أن للفيلم كذلك عبقاً روحانياً ونكهة مزجت بين رُقي وشفافية الشخصية الكويتية وبين ما حققته الكويت من إنجازات اقتصادية.
استعرض الفيلم الطريقة الكويتية القديمة في فض النزاعات التجارية آنذاك، فذكر، على سبيل المثال، “اللجنة التجارية” التي تشكلت في عام 1920، لتصبح نواة غرفة التجارة!! كذلك جاء ذكر “أهل السالفة” والتي تعني القياس على ما سلف من أمور متشابهة، كطريقة أيضاً من طرق فك النزاعات!! وهي تترجم نزاهة وبُعد نظر الشخصية الكويتية، وتدل على أن هنالك قنوات عمل واستراتيجية في الآداء، ليست خاضعة لاستثناءات مرحلية قصيرة قد تفرضها شخوص متنفذة وكما هي الحال الآن!!
أثار الفيلم في مجمله، الحرية كعنصر رئيسي وهام في كل ما حققه أهل الكويت من إنجاز. والانطلاق والتحرر كقاسمهم المشترك الذي منحهم جرأة ارتياد البحر بحثاً عن الرزق، والسفر بعيداً إلى أقصى السواحل الشرقية. حتى لقد أصبحت الحرية والانطلاق مفهومين وسمتين كويتيتين.
قد لا أستطيع أن أقدم نقداً فنياً لفيلم “حراً كان.. وسيبقى”، فذلك أمر يحتاج إلى ناقد متخصص يعطي للفيلم حقه العادل من النقد الفني. لكنني أستطيع وبكل “الحرية والانطلاق الكويتيين” أن أشكر الفيلم على ما قدمه من نافذة عريضة أخرست فينا روح التشاؤم من مناخ الفساد المسيطر على حاضرنا، وأحيت فينا يقيناً بأن للجذور الكويتية الأولى أوراقاً هي حتماً ستزهر ويلوّن إخضرارها رمادية المرحلة الحالية!! وقد ترجم المخرج حيات ذلك الإحساس في ختام فيلمه مردداً إن البحر قد صنع ماضي الكويت، والنفط صاغ حاضرها، وفوق ذلك الماضي وهذا الحاضر هناك سيد سخَّر بالأمس صخب البحر وأمواجه العاتية، وطوَّع بعزيمته جنوح النفط.. وبالأمل يُضيء مصابيح الغد، مهما اكفهر الزمان. حوى الفيلم خصوصيات كويتية، شملت العزيمة الكويتية، والأمانة الكويتية، والصلابة الكويتية. بل وحتى الشمس الكويتية، بغروبها الذي هو الأجمل على الإطلاق.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى