الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

حَيْوَنَةَ الإنسان وأدب السجون

حَيْوَنَةَ الإنسان وأدب السجون

بين رواية “يسمعون حسيسها” لأيمن العتوم، ورواية “القوقعة” لمصطفى خليفة، ورواية “تلك العتمة الباهرة” للطاهر بن جلون، وروايتي “شرق المتوسط” و”الآن هنا”لعبدالرحمن منيف، تتوالى روايات السجون والتعذيب والخوف وبشكل أفرز نوعاً من الأدب أصبح يُطلَق عليه “أدب السجون”، يروي من خلاله كُتّاب وأدباء وشعراء تجاربهم مع السجن والنفي والتعذيب.
قد لا يوجد معلومات دقيقة حول تاريخ بداية السجن كمفهوم عقابي يعمل على حرمان الإنسان من حريته أو إيذائه جسدياً ونفسياً، لكن من المؤكد أن العالم العربي قد شَهِدَ زخماً كبيراً من أدب السجون منذ ستينيات القرن الماضي، مما يعني أن هنالك كان ما يكفي من القمع والاعتقال والسجن في تلك الفترة سمح بظهور هذا النوع من الأدب، أي أدب السجون.
ما حوته تلك الروايات من تفاصيل حول ما يحدث من تعذيب وجرائم يرتكبها سجانون بشر بحق مساجين بشر مثلهم، دفع الكثير من العلماء والفلاسفة للبحث في مصدر مثل هذه الوحشية التي بإمكان إنسان أن يقترفها بحق إنسان آخر.
في علم النفس وفي بروتوكولات بعض الجيوش ما يُفسّر قليلاً هذا الشيء، حيث يرى علماء النفس أن وحشنة الإنسان ممكنة بالتدريب، كذلك تفعل بعض أجهزة الاستخبارات في الجيوش من خلال تعريض مُنتسبيها لعمليات إعدام وتعذيب تُفقِدهم مع الوقت إنسانيتهم وتحوّل مشاهد الدم إلى ممارسات اعتيادية، وهذا بالتحديد ما تحدّث عنه مصطفى خليفة في روايته “القوقعة”، حين لاحظ كيف يتحوّل مع الوقت والمُشاهَدَة كل العسكريّين الجدد من مذعورين وخائفين مما يرون، إلى جلادين متميزين ومتمرسين.
ظهرت محاولات كثيرة، أدبية وفلسفية وطبية، سعت جميعها لفهم وتفسير الحالة التي تحوّل الإنسان إلى وحش، وتقتل فيه أدنى درجات الرحمة والإنسانية، أحد هؤلاء الذين حاولوا كشف مثل هذه النوازع الوحشية كان الأديب والشاعر السوري ممدوح عدوان، حيث تناول في كتابه “حيونة الإنسان” بعضاً من أدب السجون والكثير مما كُتِب حول التعذيب تاريخياً وسياسياً، مسترسلاً في توصيف بعض التعريفات لأدباء ومفكرين لمفهوم التعذيب ودوافعه والعلاقة بين الجلاد والضحية، وغيرها من مواضيع، مستعرضاً الدوافع النفسية وراء مجازر وعمليات إبادة كالتي حدثت في صبرا وشاتيلا في بيروت، ومثلها في فيتنام، وفي الحربين الأولى والثانية، وكل أشكال الحروب التي حوّلت الإنسان بذاته إلى هدف لقادة وزعماء رأوا بشكل أو بآخر أن هؤلاء البشر مؤهلون للقتل من أجلهم في الميدان.
إن أكثر الأمور رعباً في عمليات التعذيب في السجون، أو حروب الإبادة في الساحات المفتوحة، هو أنها تُصبح مع الوقت أموراً اعتيادية، خاصة في ظل تكنولوجيا الحروب الجديدة، وهو ما وصفه أحد الضباط الأمريكيين الذي أعطى الأوامر بقتل لواء من جنود عراقيين مُنسحبين، وشارك هو شخصياً في التنفيذ، حيث يقول في اعترافاته أنه لم يكن يرى الضحايا بشراً وإنما كمشهد من لعبة فيديو جيم.
هنالك من يعترض على وصف ممارسات التعذيب والوحشية بكونها حيونة للإنسان، فالمقارنة هنا في درجة العنف بين الإنسان والحيوان غير مُنصِفَة، فالحيوان لا يقتل حيوانا آخر بدافع المتعة أو السادية، وهو لا يبني معسكرات اعتقال، ولا يخترع أدوات تعذيب ليردع بها حيوانات أخرى، وحده الإنسان هو من يفعل ذلك.
يرى ممدوح عدوان في كتابه هذا أن هنالك مقولة أثبتت الأيام صحتها، وهي أن مجتمعات القمع، القامِعَة والمقْموعَة، تولّد في نفس كل أفرادها دكتاتوراً، ومن ثم فإن كل فرد فيها، ومهما شكا من الاضطهاد، يكون مهيأ سلفاً لأن يمارس هذا القمع ذاته الذي يشكو منه على كل من يقع تحت سطوته.
إذاً، وانطلاقاً من هكذا استنتاج، تكون الحرية هي الضامن لعدم وقوع العنف على الأشخاص، أو كما تنص القاعدة الفيزيائية أن الضغط يولّد الانفجار، فالإنسان الحر الذي لا يخضع لعنف ولا لقيد ولا لقهر، تتراجع لديه نوازع العنف بشهادة العلماء والتاريخ، ولنا في أمثلة معاصرة حولنا الكثير مما يمكن الاستشهاد به.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى