
حدثني صديق عزيز، وهو بالمناسبة علم من أعلام المال والاقتصاد في الكويت، عن تجربته الشخصية مع التظاهرات والمسيرات إبان الستينيات، حين كان طالباً آنذاك في القاهرة، وقتها كان المد القومي والناصري في أوجه، وكانت الشوارع العربية تموج من شرقها إلى غربها بحمى التظاهرات والمسيرات الرافضة لهيمنة قوى الاستعمار، ورافعة صوراً لرموز تلك المرحلة.
يقول صديقي إنه كان وقتها يسكن في شقة في إحدى العمارات في قلب القاهرة، وحيث كان هنالك حارس للعمارة يعمل معه مساعد حارس اسمه “حنبص”، وفي إحدى التظاهرات الحاشدة والساخنة التي سبقت حرب 1967، انتبه صديقنا إلى أن التظاهرة التي بح صوته، وهو يردد ما يقوله قائدها، كانت بقيادة “حنبص” مساعد حارس العمارة التي يسكنها!
دخلنا أنا وهو في ما بعد في نقاش حول “حق” قيادة الشارع والجماهير، وخرجنا من دون توافق في الرؤية حول هذه المسألة الجدلية!
التظاهرات والاحتجاجات بل وحتى الثورات تأتي غالباً كردود فعل شعبية وعفوية، غالباً من دون تخطيط أو تنظيم، ليزداد حجمها بفعل التفاعل، وتصبح ككرة الثلج التي تلتصق بها أفعال وردود أفعال مشابهة لها في الاتجاه! مسار الثورات عبر التاريخ يقول إن المنظّرين ليسوا من قام بها، فلقد نظّر جان جاك روسو وفولتير للثورة في فرنسا، لكن الرعاع الذين خرجوا من قاع المجتمع هم من نفّذها، كذلك قاد لينين وتروتسكي الثورة البلشفية في روسيا، التي قامت على نظريات كارل ماركس.
جدلية من يقوم بالثورة أو من يقود أو يحرك الشارع أسقطها “البوعزيزي” حين أضرم النار في جسده، ليشعل الشوارع العربية وبشكل غير مسبوق في التاريخ العربي المعاصر، ومثلما كانت ردة فعل “البوعزيزي” عفوية ضد الظلم الذي لحق به، كذلك كانت ردة فعل الشوارع العربية التي رأى كل مواطن فيها حجم الظلم الواقع عليه!
لم تكن هنالك قيادة فكرية للربيع العربي بكونه الثورة الأهم في العواصم العربية، وإنما حدد الشارع الذي أصبح يقوده “حنبص” ومواطنون مثله – وهم يملكون مطلق الحق في ذلك – حددوا وجهته وشعاراته وأهدافه! للأسف أن الكثير، ومنهم صديقي العزيز الذي أشرت إليه في بداية حديثي، يرون أن سبب فشل الثورات العربية أنها أسقطت النخب السياسية والأرستقراطية الاجتماعية، وأن غياب القيادات النخبوية من ميادين وساحات الربيع العربي أدى إلى انتكاسته بالشكل الذي حوله كما يرى هؤلاء إلى خريف وليس ربيعاً!
قبل أكثر من أربعة آلاف عام، خرج المصريون القدماء إلى ميادين مصر في ثورة شعبية عارمة، سميت “ثورة الرعاع أو الجياع”، رافعين شعارات مثل “يسقط الحاكم” و”تسقط المعابد” و”الأرض لمن يزرعها” و”الحرفة لمن يحترفها” و”الكل سواء”، شعارات لا تختلف عمّا رفعه “حنبص” أو “البوعزيزي”، لأن الحقوق البشرية واحدة، سواء الآن أو قبل أكثر من أربعة آلاف عام!
