حمى المؤامرة

حمى المؤامرة
الآن، ونحن نتابع عجلة الأحداث المتلاحقة من قلب فلسطين الحزينة، ونحزن لمن سقط شهيداً أو جريحاً في ساحة الأقصى الشريف الآن ونحن نهتز بفعل ذبذبات الميكروفونات المدوية والمعلنة عن تضامنها خطابة وشعراً وبكاء! الآن ونحن نجتر حسرتنا لما آلت إليه النفس والإرادة العربية نتساءل في أنفسنا عن جدوى ثورة الغضب الحالية، وعن الصورة المخبأة لنا في ما هو قادم من مستقبل وزمن!
لقد استهلكتنا كشعوب وكمواطنين إحباطات سياسية وعسكرية طويلة ومريرة، واعتصرتنا عصراً خيانات واستسلامات أنظمة وقيادات عربية منذ أن انطلقت أول رصاصة في رحلة الصراع العربي الإسرائيلي، فكان أن جاءت حروبنا مع إسرائيل مكبلة بالهزائم المحبطة، ولم تنجح كل هذه الأعداد الهائلة من الجيوش العربية في أن تسرق نصراً حقيقياً واحداً نزين به تاريخنا المظلم مع إسرائيل! ويبقى السؤال الخالد أبداً الذي يذيل كل أحاديثنا وندواتنا وكتاباتنا، سؤال حول أسباب ذلك العجز العربي عن مواجهة دولة بحجم إسرائيل! وحينما لا نجد إجابة وافية له، نلجأ إلى استراتيجية المؤامرة، ونفتش في ملفات المخابرات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية بحثاً عما يمكن أن يدعم تحليلاتنا وتكهناتنا حول المؤامرات التي طالما حاكتها أجهزة المخابرات تلك ضد شعوبنا وأرزاقنا ووجودنا حتى لقد أصبح حديث المؤامرة خبزنا وزادنا اللذين نتناولهما، وملجأنا لردم ونفي كل أسباب ومسببات فشلنا التاريخي الذريع في مواجهة إسرائيل.
هنالك بالتأكيد ترابط واتصال واضحان للأحداث التي عصفت بالمنطقة العربية منذ قيام إسرائيل، بدءاً بالتغييرات التي حدثت لبعض أنظمة الحكم، والتبدل الذي طرأ على طبيعة وهوية الصراعات الدائرة في المنطقة، ومروراً بالحروب التي اشتعلت فوق ترابها سواء أكانت الحروب العربية، الإسرائيلية أو حرب العراق وإيران أو حرب الناقلات، مع كل ما خلفته تلك الحروب من ترتيبات سياسية أو عسكرية أو أمنية، وبلا شك فقد كان لكل تفسيره وقراءته لتلك الأحداث، فبينما قرأناها نحن كعنوان للمؤامرة وللتآمر، قرأها غيرنا كجزء من استراتيجية سياسية وعسكرية يبني فوقها أسساً صلبة لمصالحه الآنية والمستقبلية!
وسواء كان التعريف مؤامرة أو استراتيجية فإنه من الواضح جداً أننا لم نحسن، ولم نتقن التعامل مع أي من التعريفين! فعلى سبيل المثال، لم يدفعنا إدراكنا لأهمية المنطقة العربية سياسياً واقتصادياً لأن نستثمر تلك الأهمية إيجابياً، وبصورة تحقق مكاسب لنا وليس كوارث ومنغصات كالتي نعيشها اليوم، فحين أدرك الغرب أهمية النفط كسلاح سياسي في أعقاب حرب 1973، وخطط أو دبر استراتيجياته المستقبلية بصورة تحظر علينا استخدام النفط سياسياً، لم نحرك ساكناً، إن لم نكن ساهمنا في إعانته على فرض ذلك الحظر من خلال انشقاقنا وتناحرنا في ما بيننا! وحين وضع الغرب خططه الذكية للدفاع عن إسرائيل وحمايتها، وشكلنا بحروبنا وصراعاتنا الداخلية درعاً واقياً يحمي إسرائيل ويحفظ حدودها، وحين أقلق الغرب استعدادنا العسكري وحجم جيوشنا وتطور أسلحتنا، سعينا وبكل غباء لإزالة ملامح القلق تلك، فدمرنا جيوشنا وأسلحتنا وعزيمتنا!
وسيبقى واقعنا العربي الماثل أمامنا الآن في تدهور مستمر، وانحدار نحو الأسفل ما لم نسعَ إلى الخروج من حمى المؤامرة إلى واقع المعترك السياسي وفنونه واستراتيجياته المحنكة والماهرة! فالتفوق السياسي والعسكري الذي يحظى به الغرب هو نتيجة مباشرة لذلك الإدراك الذكي فهم لم يخنعوا ولم يخضعوا لـ”مؤامرة” العرب في سنة 1973 حين تم وقف تدفق النفط! وإنما أشار إلى ذلك وزير الخارجية الأمريكي آنذاك هنري كيسنجر الذي قال إن العرب لا يجب أن يستخدموا النفط سياسياً في المستقبل، فبنيت السياسة الأمريكية منذ ذلك الحين على تلك الجملة!

