شئون دولية

حمقى حكموا العالم

حمقى حكموا العالم

في أعقاب الأحداث التي شهدها مبنى “الكونغرس” يوم السادس من يناير، يُطرَح سؤال حائر حول مدى صحة أن العالم يقوده أحياناً حمقى قد يدفعون بمجتمعاتهم أو دولهم باتجاه الهاوية؟!
ترامب ليس وحيداً إذاً، فالتاريخ يحفل بقصص لحمقى قادوا العالم وخلّفوا كوارث ما زال العالم يتذكرها، منهم نيرون الذي أحرق روما وقضى على ٪75 من المدينة، كذلك كان حال الإمبراطور “مينيك الثاني“، مؤسس الدولة الأثيوبية، الذي يُقال إنه كان يأكل صفحات من التوراة كلما ساءت حالته الصحية، وبأن سبب وفاته يعود إلى أنه ابتلع فصلاً كاملاً من التوراة بعنوان “سفر الملوك” حين أراد أن يحقّق الشفاء التام، فكانت النتيجة وفاته، أما “إيفان الرهيب” كما كان يُطلَق عليه، وهو أول من أطلق على نفسه لقب قيصر في تاريخ روسيا، فقد كان ذا شخصية معقّدة، واشتهر عنه شغفه بتعذيب الحيوانات الصغيرة قبل أن يتّضح فيما بعد أنه مصاب بالجنون.
التاريخ الحديث كذلك لا يخلو من حمقى تسبّبوا في كوارث تشهدها اليوم منطقة الشرق الأوسط، وتُخومها، بل ولم يشفع للعالم الغربي تمدّنه وثقافته في أن يرتكب الجرائم الإنسانية في فيتنام وبنما وأفغانستان والعراق وسوريا والقائمة تطول.
والسؤال هنا: كيف جاء هؤلاء الحمقى؟ وكيف أصبحوا على رأس السلطة؟ والمخيف أكثر أنهم – خاصة في العالم الغربي – قد جاؤوا عبر صناديق الاقتراع، حيث يقدّر بأن أكثر من 72 مليون أمريكي قد انتخبوا ترامب، مما يعني أنهم متفقون مع أسلوبه، والذي كان محط نقد وتندّر من العالم كله، بمن فيهم الأمريكان، فعلى الرغم من كل الحماقات التي ارتكبها “ترامب”، سواء في الداخل الأمريكي أو ما يتعلق منها بعلاقة أمريكا الخارجية وبالعالم من حولها، فإنه لا يزال يحظى بتأييد الملايين، بدليل الأرقام التي صبت لمصلحته في صناديق الاقتراع!
من “ترامب” إلى “القذافي” و”كيم يونغ” و”عيدي أمين” إلى “بوكاسا” و”صدام حسين“، تمر على البشرية نماذج غريبة من القادة، ومع ذلك لا يبدو أن الشعوب تُتقِن فن التعلّم، بدليل تكرار ظهور هذه النماذج. آخرها كان في النموذج الترامبي، الذي أحرج سلوكه الولايات المتحدة من أقصاها إلى أقصاها، ووضع الديمقراطية في أمريكا تحت مخلب الشكوك والتندّر.
المشكلة هنا أن هؤلاء الحمقى لا يُقرّرون مصير العالم من حولهم فقط، وإنما هم يملكون كذلك تشكيل وعيهم، فهؤلاء هم في النهاية من يملك الإعلام وأجهزته الضخمة، وبالتالي فإن غياب “ترامب” مثلاً لا يعني غياب الظاهرة الترامبية، ولا ما تروّج له من فكر، فها هو اليوم وبعد أن حجب “تويتر” حسابه يُعلِن عن مشروع إنشاء منصة إعلامية مشابهة لتويتر يديرها ويوجّهها كيفما يشاء.
كان أفلاطون يحلم بالحُكم الصالح، الذي يتم عندما يحكم الفلاسفة الحُكماء الدولة ومع ذلك لم يتحقّق حلم أفلاطون، لأن معايير الحُكم الصالح لا تقوم على الفلسفة بالرغم من أهميتها في مسألة التعريف هنا، وإنما يقوم أساساً على احترام المصلحة العامة أولاً، وتوسيع فرص وخيارات المواطنين وحرياتهم، وهو لا يقتصر على حُكم الدولة فقط، وإنما بالمشاركة مع المؤسسات غير الرسمية ومنظمات المجتمع المدني.
أياً كان الشق النظري من الحُكم الصالح، فإن الواقع يقول إننا لا نزال بعيدين عن هذا الشكل من الحُكم في مجتمعاتنا العربية، أما في باقي أنحاء العالم فهنالك بلا شك نماذج تحتذى، حققت قفزات طويلة في ذلك، لكن في المقابل هنالك حمقى يقفزون إلى المشهد بين الحين والآخر ليخدشوا جدار التاريخ البشري، مُحدِثين تشوّهات لا يستطيع التاريخ إلا أن يدوّنها تحت عنوان “حمقى حكموا العالم!”.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى