الأرشيف

حلقة جديدة من حلقات البؤس الجامعي

[جريدة القبس 22/2/1999]

يعتبر النقد أداة فاعلة وهامة جداً في سبيل تقويم الأداء في أي مؤسسة أو مجتمع! ونقد الذات بالتحديد يأتي كمؤشر على درجة النضج والوعي التي يتمتع بها المجتمع، حيث يتجرد الناقد من لحظته الراهنة، ليسقط الضوء وبموضوعية ناضجة على مكامن الخلل والنقص في أي جهة كانت!
غير أننا جميعاً في هذا الوطن، يتملكنا ذعر شديد وغضب ممزوج بخوف من كل أدوات النقد، ومن أي إشارة أو تلميح لجوانب القصور أو السلبيات!
وينطبق ذلك، وللأسف، على كل مؤسساتنا بما فيها تلك المؤسسات التي ترعى وتساهم مباشرة في عمليات النهوض والتنمية والتوعية!
جامعة الكويت تعاني من سلبيات تقلقنا جميعاً كمواطنين، وليس الإدارة الجامعية فقط، لأن تبعات تلك السلبيات تمس وتنعكس على نواحٍ كثيرة، وتطال جوانب عدة في مسيرتنا التنموية كوطن وكمواطنين!
المفروض أن تكون جامعة الكويت أكثر الجهات تقبلاً للنقد، وقبولاً لآراء الآخرين وتصوراتهم حيث تفرض طبيعتها الأكاديمية العلمية المتحركة والمتطورة دائماً إدراكاً ووعياً أكثر من غيرها لضرورة الاستجابة للمتغيرات والمستجدات التي قد تطرأ!
إلا أنها، وللأسف الشديد، تصاب بقلق مضاعف وهستيريا غضب تجاه أي حديث حول سلبياتها، أو أي رأي ناقد يسلط الضوء على مكامن خلل أو قصور فيها!
وقد كانت لي شخصياً تجارب مع تلك الحساسية المفرطة للنقد والتي تعاني منها جامعة الكويت! حيث سبق وأن أشرت إلى الأخطاء والسلبيات التي صاحبت وتصاحب مشاريع الجامعة الإنشائية! سواء من حيث المواقع الجغرافية أو من حيث التمدد الكبير في المدة الزمنية المقررة لتلك المشاريع، والتي بدأت منذ عام 1986، وتستمر إلى عام 2010 وفقاً لآخر تصريح لوزير التربية!
وفي كل مرة يكون رد فعل الجامعة متشنجاً ومصراً على أن لا أخطاء في مشاريعها الإنشائية، وأن كل النقد الذي يرفعه الكثير، وجميع التساؤلات التي يطرحها أعضاء مجلس الأمة تجاه تلك المشاريع، تنم عن سوء فهم، وعدم إدراك لحجم وطبيعة مشاريع الجامعة الإنشائية!
لقد بدأت الجامعة رحلتها في التوسعة المكانية بهدف توسعة المباني الجامعية، وذلك لمواكبة التزايد في أعداد الطلبة، والذي أصبح يتطلب مضاعفة طاقة الجامعة الاستيعابية وبسبب العشوائية في التنفيذ والتي جعلت ميزانية المشاريع تنتهي قبل إنجاز المشروع بعشرة أعوام، وإلى توقف العمل في المنشآت الرئيسية بمباني الجامعة في الشويخ! فقد وجدت الإدارة الجامعية نفسها مضطرة لأن تعلن أن الجامعة لن تستطيع استيعاب أكثر من 20 ألف طالب في ظل المنشآت الجديدة!
على الرغم من أن الطاقة الاستيعابية للجامعة حالياً، وفي ظل المرافق الحالية الموجودة، تستوعب 18 ألف طالب! هو إذاً قصور في الرؤية، وتقصير في المخطط الإنشائي، الذي يجعلنا لا نأمل سوى بزيادة ألفي طالب في طاقة الجامعة الاستيعابية على الرغم من كل تلك الأموال والمواد والجهود التي تصاحب هذه المشاريع الإنشائية! حجة الإدارة الجامعية لما يتعلق بعدم التقدم في بناء المدينة الجامعية تعود، وكما تقول الإدارة، إلى أن هناك أكثر من طرف يشرف على المشروع، فهناك وزارة الأشغال ووزارة المالية، بالإضافة إلى عدم توفر الميزانية الملائمة لهذه الإنشاءات. ونحن هنا لا نريد أن نناقش تلك الحجج الواهية، وإنما نرغب في تذكير الإدارة الجامعية بأن الحديث حول السلبيات هو حديث مع النفس وإلى النفسِ، فالجامعة مشروع تنموي تربوي تعليمي يخصنا جميعاً، نفرح لإنجازاته، ونحزن لسلبياته! وإننا لا نرمي للإساءة إلى أي جهة، وإنما نتحدث انطلاقاً من واجب وطني بحت ومجرد، يجعلنا نتمسك بالنقد كأول مشاريع الإصلاح والتقويم، مما يدفعنا لأن نكرر ونعيد بأن لمسلسل البؤس الجامعي فصولاً أخرى كثيرة، يتطلب تقويمها اعترافاً من الإدارة الجامعية بمكامن القصور، وتفهماً لدوافع الآخرين من وراء الغوص في هموم الجامعة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى